السبت، 1 أبريل 2017

سيــــرة العلّامـة الشيخ حسن حسين هلولى "الفذ في علمه والفريد في فهمه . الحلقة "6" الصالحية فى الصومال

الصالحية فى الصومال 




بقلم : آدم شيخ حسن .
أي حديث عن الشيخ حسن هلولى وتاريخه لن يكون بمعزل عن الصالحية ودورها التاريخي في المجتمع الصومالي لطالما وصف بالركن الركين في الطريقة سواسية في الأقطار او المركز ، وبالتالي نتناول  في هذه الحلقة  عن الصالحية ودورها الدعوى والجهادى، وكيف تأسست في الصومال ومن المؤسسين!! ؟
تنتسب الطريقة الصالحية إلى  السيد : محمد الصالح  إبن محمد  الصالح الرشيدي الدويحي رحمه الله رحمة واسعة ( 1853م 1917م )"1" والذى ورث الولاية من السيد أبراهيم الرشيد خليفة السيد –أحمد بن إدريس  رحمة الله عليهم أجمعين ،وكلهم ينتمون إلى الاحمدية طريقة والى أهل السنة والجماعة مذهبا ،ويعتبر السيد محمد الصالح  ابن محمد  الصالح الرشيدي الدويحي ناشر الصالحية في الجزيرة العربية  و الصومال وفى كل قطر أو شبر  تنشط فيه الصالحية في أرجاء المعمورة كافة . أما المؤسسين  في الصومال فتتضارب الروايات حول ذلك وما اكثر من أدعى اللقاء بالسيد : محمد الصالح  ابن محمد  الصالح الرشيدي الدويحي في مكة المكرمة واخذ الوكالة عنه مباشرة  لينشرها في القرن الأفريقي  غير ان معظم هذه الادعاءات تظل فقط :  "وكلا يدعى وصلا ليلى وليلى لا تقر لهم بذلك " غير ان الرواية المؤكدة  والمتواترة  عن علماء الصالحية ودعاتها  من الرعيل الاول شفاهه وكتابة هو أن هناك سبعة اقطاب التقوا بالسيد : محمد صالح "2" في مكة المكرمة  وأخذوا عنه الوكالة مباشرة وثم وكّلهم لنشرها في القرن الأفريقي وهم :
1.      شيخ المشايخ القطب السيد : محمد أبن قوليد رحمه الله رحمة واسعة .
2.      القطب السيد على الملقب بالسيد على نيروبي رحمه الله رحمة واسعة .
3.      السيد الفاضل : إسماعيل إبن اسحاق الساكن في بلدة برعوا ونواحيها .
4.      الإمام السيد : أبراهيم ابن الشيخ حسين الدبري الساكن في مصر دبر ى .
5.       العارف بالله تعالى السيد : على ابن شريف محمد الشريف الاهدلى .
6.      الشيخ السيد : على الملقب بالسيد على دقر الساكن في جماعة راحال .
7.      الإمام  المجاهد:  السيد محمد إبن عبدل ابن حسن رحمه الله رحمة واسعة . 
فمشرب هؤلاء الأقطاب المذكورين من ساقية واحدة ومن عين مشكاة الصالحية الرشيدية  الأحمدية  أخذوا كلهم الطريقة عن السيد: محمد صالح الرشيدي الدويحى مشافهة وتولاهم الخلافة عنه لنشرها في  ناحيتهم  وإحيائها في أرضهم فرحمة ربى تغشاهم أجمعين ، وقام كل واحد منهم بعد ذلك نشر الطريقة في قومه وأرضه وناحيته حتى سطع نور الصالحية الرشيدية في القطر الصومالي وأمتدت شمسها في الاقطار حتى اقر ذلك القاصي والداني سويا ،  ولعل ذلك مقتبسها الأحمدي ومنبعها المارك في  مكة المكرمة والحرمين الشريفين . الجدير بالذكر أيضا  في هذا المقام  أن للمذكورين جميعا من العلماء أحفاد وتلامذة موجودون اليوم و قائمون على سيرة أباءهم من إحياء الشريعة المحمدية  والطريقة  الصالحية  في القطر الصومالي.  "3"
ثمة معلومة مهمة ينبغي الإشارة اليها هنا  وهى أن  اول من أخذ إجازة الطريقة الصالحية عن الامام : محمد الصالح في مكة هو الأستاذ السيد : عبد الواحد سيد محمد قوليد فخر الصالحية  في الأقطار والامصار  (1293هـــ /1369هــ )  وذلك في عام 1312 هــــــــ  . وقد سبق بذلك حتى والده المؤسس السيد محمد قوليد ، اذ ارسل الاخير ابنه الى مكة المكرمة للحج وزيارة المشاعر المقدسة ، وملاقاة قطب الصالحية وإمام الحرمين السيد محمد صالح  ، وبالفعل  قابل السيد عبد الواحد السيد  محمد صالح  في الحرم واخذ عنه الاجازة  وعمره لم يتجاوز آنذاك 18 سنة فامر الثاني الأول ان يبلغ والده السيد مجمد قوليد أن بإمكانه أن يلقن الاجازة لمن شاء من الأمة الصومالية المسلمة ، كما علّمه كذلك حضرة الذكر الصالحية المستخدمة حاليا لدى الطريقة ،و بهذا يعتبر السيد عبد الواحد أول من استحدث الطريقة في منطقة القرن الأفريقي بجانب انه هو الذى علم الدراويش الحضرة والتمايل والتقلب في الحضرة بمينا وشمالا  من أجل الذكر  . "4"
متى دخلت الصالحية  إلى الصومال  ؟  
يقال إن أول طريقة وفدت  إلى الصومال كانت الطريقة الأحمدية التي مؤسسها وقائدها السيد أحمد بن إدريس ، وذلك في عام 1280هـــ. ولم يعرف وقتئذ في القطر الصومالي إسم الطريقة وماهيتها على الغالب، وأول من اتى بها وأحدثها هو الشيخ العارف بالله تعالى مولانا الشيخ عبد الرحمن كان يسمى في الصومال بهذا الاسم وفى مكة المكرمة بالشيخ عبد الواحد ولذا اشتهر ابنه بأحمد ابن عبد الواحد . والسيد عبد الرحمن المذكور مدفون في مكة بحار ة شعب العامر وله في هنالك مسجد معروف باسمه . فهو الذى التقى مع السيد أحمد بن ادريس وأخذ عنه الطريقة بعد ان صاحبه مدة يسيرة لا تزيد على خمسة أشهر  وأيام قلائل . وتم توليته بالخلافة في قطر الصومال من قبل السيد احمد بن ادريس رحمه الله رحمة واسعة .  ثم قدم إلى الصومال من ناحية  الشمال  في أراضي أوجادين تحديدا  مأذونا عن سيدى أحمد بن إدريس لنشر الطريقة الاحمدية وتلقين أورادها .  "5" و على الرغم ان الشيخ  على  مي دروكبا المتوفى عام 1917 م  ممن اخذو الولاية عن مولانا عبد الرحمن مبكرا  الا ان السيد محمد قوليد  المتوفى عام 1917 م هو أول شيخ معروف للطريقة الاحمدية في الصومال، كما أنه اول من رفع راية الصالحية في  جنوب الصومال بعد أن  استهل دعوته بتكوين تعاونيات زراعية "زوايا " وقد أبتنى اول مركز له في منطقة الشدلة بين بلدتي جوهر و بلعد على نهر شبيلي "6 " فلطالما الصالحية فرع رئيسي   في الطريقة الأحمدية فالمرجح أنها وفدت  إلى الصومال ما بعد الأحمدية بقليل  وذلك في نهايات القرن التاسع عشر   و لكنها ازدهرت  فعليا مع مطلع القرن العشرين، حيث يمكن أن يحسب قدوم الصالحية مع بداية قدوم الاحمدية إلى القطر  لأن كل صالحي أحمدي بالضرورة  وليس العكس إذ ان الصالحية تعتبر نفسها نخبة الطريقة الأحمدية  أينما وجدت .
تعريف الصالحية :
الصالحية هي : جماعة أو حركة معتدلة في الفكر والمنهج وأسلوب الدعوة تعتمد على الكتاب والسنة وفق مفهوم أهل السنة والجماعة ،و تشترط للشيخ المرشد الداعي إلى الله تعالى ان يكون مستقيما في الشريعة المحمدية علما والتزاما ، لا تقتدى ولا تعقد للولاية لمن لا يحضر الجمعة وصلاة الجماعة لمخالفته في اجماع اهل السنة والاجماع. " 7" ولذلك قال احد أئمتهم  : "فواعجبا على قوم زعموا  أنهم مشايخ  وخلفاء لبعض الطريفة ثم لا يحضرون الجماعة للصلوات  التي هي سنة مؤكدة او الجمعة التي  هي فرص عين على كل مسلم بالغ عاقل مقيم فمن اين اتت إليهم هذه العقيدة  والمبررات التي تمنعهم الحضور للجمعة و الجماعة " اهــ .
مثلت الطريقة الصالحية بشقيها الدعوى والجهادى في الصومال دعوة معتدلة ورائدة في كل المجالات  الدعوية والإصلاحية والجهادية والتعليمية كما لعبت دورا محوريا في المجتمع الصومالي وصياغة تاريخه الحديث  لاسيما  في تشكيل العقل الديني الصومالي ، حيت ظهرت  في  فترة عانت الحركة القادرية من الدروشة والانكفائية وعجزت عن الاستجابة بمطالب التجديد الديني  والدعوة  على الجهاد  ضد الاستعمار مما أكسبها قواعد للانتشار والتمدد ، كما ساهمت الصالحية  في الهاب المشاعر الدينية ومقاومة المحتل إضافة الى محاربة البدع والعادات السيئة " 8 ".  ولا غرو في ذلك لأنها  تنطلق في رؤاها للحياة  من تعاليم الكتاب والسنة و هو ما ميزها  عادة عن الطرق  الاخرى  من الصوفية المبتدعة . ولاشك ان الصالحية كذلك قد أبدعت في أعمالها الدعوية والاصلاحية وحتى الجهادية لمحاربة المستعمر  إذ لم تعد الصالحية مجرد حركة دينية وانما تبنت مشاريع وطنية ترمى الى انهاء  الاستعمار الأجنبي من كافة الأراضي التي كان يقطنها الشعب الصومالي ،  ولا تزال الطريقة الصالحية  حتى اليوم من أقوى دعائم ربط الامة الصومالية حيث تنتشر تبعيتها في شمال كينيا او الجزء الصومالي في أثيوبيا وفى ارجاء الجمهورية كافة ، ويبدو أن مرد هذا التأثير الكبير يعود للسيد : أحمد بن ادريس و جاذبية أفكاره وأراءه والتي لبت الظروف واحتياجات المسلمين الفكرية حينها واهم المعاني التي نادى بها السيد احمد بن ادريس من الرجوع للكتاب والسنة والعناية بتفسير القرآن والحديث والفقه والاهتمام بالتدريس والتربية باعتبارها وسيلة لإيجاد الجماعة المسلمة بجانب التركيز على توطين قيم اساسية في تلاميذه وهى مكارم الاخلاق ، خلوص الاعمال ، محاسبة النفس ، بناء المسلم الذاكر أضف الى ذلك الانطلاق من البوادي والارياف واقامة المستوطنات والمراكز الاجتماعية على اساس افكار التجديد في شكل تعاونيات جمعيات زراعية ..  الخ ، والاهتمام بالعمل السلمى الإسلامي المترفق ونشر الدعوة وسط غير المسلمين مع رفض الرسوم والشكليات والتعصب المذهبي وكذلك رفض بناء القبات والمزارات  .
كان ابن ادريس وبلا مراء تجسيدا لفكرة العالمية الاسلامية حيث  يقوم بـاختبار تلامذته من كل الجنسيات وكان يركز على قضية  ايجاد النخبة حتى تتجسد في هؤلاء التلامذة معانى القيادة ويصبحوا مرشدين مؤهلين حيث اصبح المرشد في الدين مطلبا حيويا في ذلك الوقت العصيب وقد عبر عن ذلك تلميذه محمد على السنوسي المتوفى في عام 1859م قائلا " افكر في العالم الإسلامي ، بالرغم من سلاطينه وامرائه ورؤسائه وعلمائه فهم لا يزيدون على ان يكونوا كقطيع من الاغنام الذى لا راعى لها ..بكل محل من محلات الاسلام تجد المسلمين وعلماء الدين ولكنك لا تجد في العالم الإسلامي مرشدا حقيقيا تكون غايته سوق الجميع إلى هدف واحد . لذا فلا عجب أن راجت افكار السيد : أحمد بن ادريس في الصومال وبالذات تيار الصالحية ."9"
وفى إطار حديثنا عن الصالحية وتاريخها  يمكن لنا أن نقسمها الى جهادية ودعوية . فالصالحية الدعوية انتشرت وبشكل أخطبوطي في المجتمع الصومالي كافة تجدها في القرى والامصار  بل أسست في مختلف أنحاء الجمهورية الصومالية معاقل حضارية  ومنابر علمية كان لها أكبر الاكثر في تربية  وتعليم الجيل الواعي وطنيا والملتزم دينيا، ومازال أثرها باقيا حتى اليوم رغم ما طرأ في  الساحة من أفكار وتيارات تشدديه دأبها المحو والإقصاء .  أما الجهادية فهي الاخرى  التي أبدعت في محاربة الاستعمار بشتى أنواعه ، فكل ما ذكر الإستعمار ومن حاربه في الصومال تصدّر ت الصالحية وعلمائها في المشهد  ، و في حالات الدفاع عن عقيدة الامة وحضارتها  سرعان ما تجد المثال في السيد : محمد عبد الله حسن  حامل لواء الجهاد في القرن الأفريقي والشيخ حسن برسني رمز الجهاد في جنوب الصومال .
السيد : محمد عبد الله حسن (1864-1920 م )
 قاد السيد : محمد عبد الله حسن حركة الدراويش أشهر الحركات التحررية في البلاد التي انطلقت في الصومال في نهاية القرن التاسع عشر واطلق كثير من الكتاب على هذه الثورة ام الحركات والثورات القتالية ضد الاستعمار في تاريخ الصومال الحديث  والتي تنتمى جلها الى التيار الصوفي العريق  في البلاد بمختلف مشاربه . كانت حركة محمد عبد الله حسن جزا من الحركات الاسلامية التي جاهدت وناضلت ضد الاستعمار الأوربي  في البقاع الإسلامية الاخرى أمثال الامير المراكشى محمد عبد الكريم الخطابي، والامير عبد القادر في الجزائر  والامير السنوسي عمر المختار في ليبيا ، وزعيم المهدية محمد أحمد المهدى في السودان . ولكن الذى تميزت به حركة الدراويش عن مثيلاتها في القارة الافريقية أنها كانت تجابه  دفعة واحدة أكثر من قوة إستعمارية  تحتل البلاد التي نشأت فيها هذه الحركة وهو الصومال . بدأ السيد /محمد عبد الله حسن معارضته الشديدة ضد السياسة البريطانية منذ أن وصل الى مدينة بريرا قادما من الحجاز حيث أدرك أن التفاهم مع الاجانب صعب ثم دعا إلى مواجهتهم خاصة ضد الانجليز ، واستمرت هذه المواجهات تسعة عشر عاما 1901/ 1920 م خرج السيد معظمها ظافرا منتصرا وقد شملت تلك الفترة 36 موقعة ابتداء من معركة  افبكيلة 3 مايوا 1901 حتى موقعة تليح 9 فبراير 1920م . "10" . وعلى الرغم من الإمام السيد : عبد الله حسن يتصدر وبكل جدارة  في قائمة القيادات الجهادية المسلمة في القرن الأفريقي الا أنه قد  اتهم  وحركته بالشراسة وقلة الانسانية وحب سفك الدماء وقتل الابرياء والميل الى الفجور والجنون . وبهذا الخصوص قد ارسل  الشيخ محمد صالح من مكة إلى السيد محمد عبد الله حسن رسالة توبيخ  مفادها النصح والامتثال الى طاعة الله والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ولكنه لم يعلن إخراجه عن الطريقة  . "11".  ثمة من يعتقد ومن بينهم السيد: او جامع عمر عيسى المؤرخ الصومالي الكبير : أن  الرسالة لم تكن صحيحة اطلاقا وإنما الانجليز  هم من قاموا بنشرة رسالة من الشيخ محمد صالح للسيد محمد عبد الله حسن بصورة واسعة تبرأ فيها الاول الاخير ودعوته قائلا " لا اريد ان يكون لي صلة بك وبمن معك...انك تلقب نفسك بالسيد  لا اعلم من اين جئت بهذا اللقب ."12".  
إقالة السيد محمد عبد الله حسن عن زعامة حركة الدراويش واخراجه من الصالحية
تختلف الروايات حول إقالة السيد محمد عبد الله حسن من زعامة الدراويش وإخراجه من الصالحية من قبل الشيخ محمد صالح في مكة في تلك الرسالة المشهورة وذلك بعد ما ارتكب أعمال فتل ونهب لا تتطابق مع  منهج الصالحية اطلاقا داخل المسلمين الصوماليين وبمجرد اختلافهم معه في وجهات النظر وطبيعة الجهاد ، البعض يجزم صحتها، والاخرون يعتقدون بأن الوفد الذى بعثه الانجليز  من العلماء إلى السيد محمد صالح استطاع ان يقنع كاتبه كتابة رسالة فحواها الاقالة دون موافقته. "13"وقد  خصص السيد محمد عبد الله حسن   قصيدة كاملة بهذا  الامر سماها " Waanjeel"  بمناسبة حسم المعركة بينه وببن من تأثر بالرسالة ورفض زعامته . "ووانجيل"  إسم الشجرة التي اجتمع بها من عارض السيد والتزم بنص الرسالة  علما ان معظمهم أل بهم الحال  اما إلى القتل  أو التشريد .  "14"
موقف الشيخ حسن هلولى  من  السيد : محمد عبد الله حسن وجهاده:
هو لم يعاصر السيد: محمد عبد الله حسن كثيرا ولكن بحكم أنه من كتاب الصالحية ورموزها كان فخور بجهاده شأنه في ذلك شأن أي صالحي معتز بالسيد :محمد عبد الله حسن وحركة الدراويش ومع ذلك عندما يتحدث عن تاريخه ظل يذكر تجاوزاته خاصة في نهب مال الناس واستباحة دمائهم وأعراضهم دون حق  وأن مثل تلك الاعمال الوحشية  لا تمت صلة بالصالحية ومنهجها في أي حال من الاحوال، و لم يذكر إطلاقا ان تم إخراج  السيد محمد عبد الله حسن عن الصالحية وهذ الرأي يتطابق تماما مع رأي الصالحية وقيادتها في المركز في مصر الكبير،  ففي مقابلة  للباحث مع السيد : حاج عبد العزيز  حاج طيب سيد محمد قوليد المؤرخ الكبير والطاعن في السن قال في ذلك: "للسيد محمد عبد الله حسن شطحات كثيرة و انحرافات خطيرة مخالفة لمنهج الصالحية الاحمدية و من أخطائه الجسام الغرور حيث حكم غيره  من المسلين بالكفر  لاسيما أهل الجنوب دون دراية تامة لأحوالهم وظروفهم " وان السيد محمد صالح  في مكة سمح له الجهاد فقط ضد الاستعمار ، وأنكر عليه محارية المسلمين وسفك دمائهم وأموالهم وأعراضهم بحجة انهم لا يؤيدون الجهاد . و لكن السيد عبد العزيز أكد في ثنايا حديثه : بأن رسالة السيد محمد صالح للسيد محمد عبد الله حسن  كانت من أجل النصح لا للإقالة جازما ان الأخير كان صالحيا الى أن توفى  في عام 1920 م رحمه الله رحمة واسعة .
ومجمل القول : أن كل ما يثار من أعمال وحشية حول السيد : محمد عبد الله ابن حسن وحركته الدراويش  لا تبخس من مقامه شيئا  لأنه اتبع في فصل من فصول جهاده سياسة سلمية تقوم على نشر التعليم بين الناشئين وتوعية الناس بأمور دينهم وحثهم على التمسك بالدين في مواجهة حركة التبشير  وحب الوطن والحنق على المحتل الأجنبي الغاصب   "15" مما يعنى أنه لم يكون دمويا في كل مراحل حياته وجهاده  ، ولا يعفى منه كذلك مسؤولية ما أقترف من  جرائم بان سفك دماء الأبرياء من المسلمين في الصومال وسبب جهاده نوعا من الدمار الشامل اذ قتل مأتى الف شخص في غضون عشرين عاما فقط في مقاطعة لم يتجاوز تعداد سكانها ثلاثة ملايين نسمة وغالبيتها مسلمون " 16"
الشيخ حسن برسني : المتوفى عام 1927م :
 مثّل الشيخ حسن برسني الذراع الجهادى للصالحية  في جنوب الصومال وخاصة أنه كان خليفة السيد  : محمد قوليد رحمه الله رحمة واسعة  حيث قاد ثورة شعبية . وفى عام 1922 م إثر وصول الفاشيست  إلى سدة الحكم في إيطاليا كانت دولة روما قد عينت في الصومال ماريا سرنس  Cerene Maria "" الذى أصدر قرارا بحظر تداول السلاح في القرى والبوادي مما أحدث خلافات بينه وبين بعض الشيخات والقرويين ، تلك الخلافات التي تطورت فيما بعد إلى تمرد مسلح ثم إلى ثورة شعبية تزعم بها الشيخ حسن شيخ نور "البرسنى " 17"وبعد استمرار  هذه الثورة عدة أشهر حصدت خلالها أرواح كثير من الطليان إثر الخسائر العسكرية المتلاحقة التي منيت بها القوات الأجنبية ،شكلت القوات الايطالية جيشا كبيرا لإخماد هذه الثورة  التي كانت تعم مجموعة من المدن في غرب العاصمة تحت قيادة الشيخ حسن البرسنى .  وفى حرب استمرت أربعة ايام استخدم الايطاليون فيها المدافع الثقيلة والقنابل الحارقة ، أنهى الايطاليون المعارك لصالحهم يوم 13 مارس 1924 م . ووقع الشيخ حسن شيخ نور أسيرا بعد أن أحرقوا جميع المدن هنالك ، ونقل الشيخ إلى مقديشوا واعتقل هنالك وبقى في السجن  حتى مات 18 يناير 1927 م . ومنذ تلك المعركة تضاءلت قوة الثوار ، وكسرت شوكتهم بشكل تدريجي وتقهقرت أمام المستعمر الذى كان يستكمل نفوذه وسيطرته على البلاد .
أهم المصادر والمراجع :
1.د.حسن مكى محمد أحمد ، السياسات الثقافية في الصومال الكبير 1887/1986م . ص 34 سولو للطباعة والنشر .
2. مؤسس الطريقة الصالحية ومنشر الطريقة الرشيدية الأحمدية في جزيرة العرب وفى أقطار أخرى مثل الصومال بواسطة خلفائه السادة الكرام الذين أحيوا الطريقة الصالحية في الصومال .
3 . السيد: إبراهيم بن السيد محمد قوليد:  كتاب الدرة البهية : في مناقب مشايخ الطرائق  الصالحية الرشيدية الاحمدية ،.ص 185-186
4. السيد:  إبراهيم بن السيد محمد قوليد المرجع السابق . ص 204 -205
5. السيد : إبراهيم بن السيد محمد قوليد . مرجع سابق .ص 184
6 . د. حسن مكى مرجع سابق .ص 43.
7. . السيد ابراهيم بن السيد محمد قوليد . مرجع سابق ص 71
 8 . سالم سعيد الحضرمي  . فراغ البطون وتخمة السلاح : الصومال والحركات الاسلامية . مجموعة باحثين . ورقة : المشهد الصوفي في الصومال الصلة بالسلفية وانحسار الدور . مركز المسبار للدراسات والبحوث ص 376 . ط الاولى 2012م
9. حسن مكى محمد أحمد مرجع سابق ص 44 -45
10. عبدى يوسف . الصراع الدولي  في الصومال  : دراسة في التاريخ السياسي . دار الامين للنشر والتوزيع .القاهرة . ص 49 -51 .
11. عبدى يوسف . المرجع  السابق ص 53
12. حسن مكى . مرجع سابق ص 36 
13. أنطر كتاب :  او جامع عمر عيسى  باللغة الصومالية :
Diiwaanka Gabayadii Sayid Maxamad Cabdille Xassan   ط الثانية . جيبوتي 2005 م . ص 184 .
14. او جامع عمر عيسى ،مرجع سابق ص 185.
15. سالم سعيد الحضرمي . مرجع سابق  .  ص 359 ..
 16. John P. slight . The British and Somalia Views of Muhammad Abdullah Hassan 's jihad 1899-1920 Bildhaan : An international journal  of Somali studies Vol.10 article 7  P. 16
17. عبدى يوسف مرجع سابق. ص 63 -64.


الخميس، 2 فبراير 2017

سيــــرة العلّامـة الشيخ حسن حسين هلول "الفذ في علمه والفريد في فهمه الحلقة "5" حياته التعليمية

حياته التعليمية: الحلقة الخامسة
الشيخ حسن هلولى


تتعدد معارف الشيخ بين القرآن وعلومه وعلوم الشريعة وعلوم اللغة العربية والمنطق، وغيرها التي تلقاها من العلماء داخل الوطن وخارجه، أو عن طريق اطلاعه الخاص. في الأسطر التالية وفي هذه الحلقة نتناول الحياة التعليمية للشيخ مع التعرف على أبرز مشايخه وأساتذته، وذلك عبر ثلاثة محاور هي: -  
أولا: التعليم داخل الوطن: بدأت مسيرته الدراسية من الخلوة أو ما يعرف في اللغة الصومالية " الدكسي" ويعني مدرسة تحفيظ القرآن الكريم،  فأتمّ حفظ القرآن كاملا وهو لا يزال صغيرا على يد معلمه " المعلم محمد الملقب بوليس المشهور في المنطقة بإتقانه القرآن الكريم وعلومه. وليس هذا الحفظ المبكّر راجعاً إلى تميز أو فخامة خاصة بمرتبة تصنيف الخلوة والتسهيلات والتقنيات التي تتوفّر عليها، فهي لم تكن في هذه الناحية تختلف عن مثيلاتها من مدارس تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في المنطقة؛ إذ كانت متواضعة كشأن أخواتها من خلاوي القرويين والبدو الرحّل، ولكنها كانت متميزة في المعلم القائم عليها، والمشهود له بأنه كان فريدا في إتقان تجويده للقرآن الكريم وأسلوبه في التعليم وتفانيه وإخلاصه وجهده في مساعدة تلاميذه على تحقيق النجاح المنشود في حفظ القرآن الكريم، مما كان له اكبر الأثر في الجيل الذى تلقى التعليم عنه مباشرة، ومنهم بطبيعة الحال الجبل المترجم له.
بعد إتمام حفظه للقرآن الكريم أقبل الشيخ حسن على تعلم العلوم الشرعية ينهل من ينابيعها الصافية لدى علمائها ومشائخها في البلاد، وبدأ مشواره بحلقات العلم القائمة في مسجد "عيل يرو"{1} بمدينة أفجوى أحد صروح الفقه الشافعي في جنوب الصومال، فلزم هذه الحلقات وعلماء هذا المسجد فترة أتقن خلالها أهمّ الكتب المتداولة في الفقه الشافعي. ومن أبرز مشايخه في هذه الحلقات " الشيخ محمد أيلايو" المعروف بدرايته العميقة للفقه الشافعي، والذي لا زم حلقاته إلى أن أجاز له في تدريس كتب الفقه الشافعي، خاصة كتاب المنهاج الذى جرت العادة في الصومال أن لا يتصدّى لتدريسه أي دارس دون الحصول على إجازة من شيخه مهما أجاد و أتفن، وبالفعل درّس  المنهاج بعد ذلك  في أحد مساجد مدينة قريولى " َ "Qoryooley في محافظة شبيلي السفلى لتلاميذ قدموا من مناطق شتى لطلب العلم ، وكان من بينهم  العلامة المشهور لدى الصوماليين الشيخ عمر الفاروق عليه رحمة الله الذي تتلمذ على الشيخ حسن هلولى في ربع العبادات من كتاب المنهاج .
كما تلقى الشيخ علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة ومنطق. ومن أهم الحلقات التي تلقى الشيخ حسن هلولى فيها علوم اللغة حلقة الشيخ محمد يرو في منطقة "دانييرى"  Daanyeerey " والتي أعيدت تسميتها لاحقا بدارالسلام في ناحية أوطيغلى"Aw dheegle حيث تعلم فيها قواعد اللغة العربية. وأثناء تواجده مع الشيخ – محمديرو- أبدع في تعلم ما يسمى علم الآلة كعلم النحو وغيره من الصرف والبلاغة والمنطق، خلال الفترة الطويلة التي لزم فيها تلك الحلقة، دارساً تارة ومدرّساً تارة أخرى، لأن شيخ الحلقة " محمد يروا " اكتشف في المترجم له أمارات النبوغ، ووكّله بالتدريس في بعض الحلقات التي تخرج فيها على يد الشيخ جيل متميز في هذا الفن. وبالفعل مشايخه في هذا العلم كثيرون منهم الشيخ "سيدو أبا جبل" الذى درّس له قواعد الصرف وخاصة لامية الأفعال, والحاج علو اليمنى{5}وقد تعلم منه الطب وكيفية التداوي بالأعشاب .
وأما دراسته في علوم القرآن الكريم وخاصة علم "التفسير" ومتعلقاته فقد كانت في حلقة شيخه المبجل المفسر البارع "الشيخ أدم محمود المشهور بالشيخ آدم عوليهن{3} في مقديشو العاصمة في أحد مساجدها المباركة{2}. وعوليهن نسبة إلى قبيلته عوليهن الأجاذينية " حيث عكف على تلك الحلقة أكثر من عام أتقن خلاله التفسير أيما إتقان، مع العلم بأنه لم يتلق من شيخه إلا دورة واحدة، حيث كان المعتاد لدى طلاب الـ " حِرْ " أي طلاب الحلقات باللغة الصوماليّة أن يعيدوا دراسة كتب الفن أكثر من مرة من التلقي قبل استصدار الإجازة للتدريس، بيد أن الشيخ حسن ولتميّزه ونباهته نال الإجازة مباشرة بعيد إتمامه للدورالأول من التلقي، مما يؤكد مرة أخرى تفوقه في الدراسة. وقد استزاد الشيخ حسن هلولى تفسير القرآن الكريم وعلومه من شيخه السيد عبد الواحد قطب الصالحية في الصومال. وعلى الرغم من أن الأول قد اخذ من الأخير علوما ومعارف شتى  كعلم السلوك وغيره، إلا أن للتفسير قصة مهمة وهى أن السيد عبد الواحد كان مرتبطا بمكة المكرمة وعلمائها كالشيخ السيد . محمد صالح  الدويحي السوداني  المؤسس  الأول للصالحية  والشيخ السيد ابراهيم الرشيد. وكثيرا ما كان يجتلب من هناك كتبا ثمينة ونادرة قلما توجد في القطر الصومالي . ككتاب " روح البيان لتفسير القرآن الكريم "وكان عبارة عن مجلدات ضخمة يزن نصف شحنة السفينة والذي حمله السيد الشيخ عبد  الواحد من البقاع المباركة  إلى الصومال. فهذه النسخة الوحيدة التي كان يقتنيها في مكتبته ظل لا يسمح بالاطلاع عليها إلا لخواص الخواص من أصفيائه العلماء الذين يثق فيهم. فما أن قدم له الشيخ حسن هلولى في مقر إقامته في مصر الصالحية في شبيلي الوسطى  إلا وفتح له مكتبته العامرة يطلع فيها على كل الكتب القيمة ولاسيما روح البيان{4}""الذى كان يقول عنه الشيخ " Ruuxal bayaan ninkii helo qalbigiisa waa Raaaxeestey" ومعناها بالعربية : من ظفر بروح البيان فكأنما ظفر بالسعادة كلها".
أما كتب التفاسير التي أحبها الشيخ  فمعظمها الشروح مثل كتاب تفسير الجلالين وحاشية الصاوي.
وأما شيخه في علوم التصوف والطب والحكمة فهوالعلّامة  الحاج على سيدو بن الحاج مومن الذى ينحدرمن قبيلة بغذي نسبا.
وبالنسبة للتعليم النظامي حاول الشيخ أن ينضم إلى التعليم الإيطالي مع ظهوره في بلاد الصومال، ولكن فترته الذهبية صادفت الاستعمار، والصالحية  بحكم موقفها الصارم ضدّ الاستعمار لم تحبذ يوما من الايام  بالتعلم من المستعمرين، بيد أن الشيخ أجاد اللغة الإيطالية حتى صار يفهم ما تكتبه الصحف ويتابع الأخبار بها إلى أن منعه شيخه وصديقه الحاج على سيدو من المواصلة، حيث قال له: إنّ من غير اللائق بمشيخته ومهارته في الشريعة المحمدية أن يؤول  به الحال ككاتب مهين لدى الإيطاليين .
ثانيًا : اطلاعاته الواسعة: وهذا جانب جدير بالالتفات إليه لما له من دور هام في صقل الشيخ وبناء معارفه ومهاراته العلمية. وفي الحقيقة ما أن قطع الشيخ حسن شوطه في دراسة العلوم الشرعية واستوى ساعده في النواحي العلمية، بل وأصبح فقيها يشار إليه بالبنان في منطقته إلّا وبدأ يطّلع على الكتب الفكرية، وبات مولعاً بمجال الفكر ينهمك في قراءة كتبه والاطلاع عليها بحيث امتلأت مكتبته الخاصّة بالكتب الفكرية. بل أدّى به حبه للمطالعة والقراءة إلى أن يقرأ كلّ ما يقع في يده من كتاب مهما كان موضوعه بحيث لم يترك فنا من الفنون العلمية والمعرفية التي حصل عليها إلا وقد قرأها، ومن بين تلك الكتب والرسائل التي تيسر له الحصول عليها وقراءتها كتب في الفرق والأديان والمذاهب المعاصرة لاسيما المصادر والمراجع الصوفية التي عشقها من خلال المطالعة قبل أن يأخذ الإجازة، وكذلك فرقة الخوارج والمعتزلة والشيعة، كما نالت كتب السلفية مثل مؤلفات شيخ الإسلام أبوالعباس ابن تيمية الحرّاني وتلميذه ابن قيم الجوزية وكذلك مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب قسطا وافرا في تنقيبه عن الدراسات والبحوث حول الفرق والأديان والمذاهب المعاصرة. ويمكن القول بأنّه ما من اتجاه فكرى إلا وكان ملما به، والسبب يعود إلى حبه للقراءة حتى صار مدمنا لها.
وبما أن الشيخ حسن هلولي قد درس على يد علماء كثر في داخل الصومال وخارجه يجدر أن نترجم لأهمّ مشايخه في الصومال، وخاصّة الأكثر منهم تأثيرا في حياته:
ا :الشيخ محمد إيلايو: ينحدر الشيخ من عشيرة إيلاي إحدى قبائل الرحنوين الصومالية ، كان حافظا لكتاب الله فقيها ، وزاهدا ورعا  نذر حياته لخدمة كتاب الله وعلوم شريعته، وسخر كل جهده لتدريس الفقه الشافعي لطلاب العلم في مسجد عيل يرو الكائن في محافظة أفجوى التابعة لإقليم شبيلي السفلى والواقعة على مسافة ثلاثين كم تقريبا إلى الشمال الغربي من مدينة مقدشو العاصمة، واشتهر في جنوب الصومال بلقب شيخ الفقه ولقب معلّم المنهاج للإمام النووي رحمة الله رحمة واسعة. وقد تخرّج عليه الكثير من الأعلام ، وأبدع في مجاله، بما جعل تلميذه الشيخ حسن هلولى الذي درس عليه الفقه يقول عنه دائما: " ما لاقيت في قطر الصومال شيخا أكثر فهماً للمنهاج  ولغته ورموزه من الشيخ محمد الملقب بمحمد إيلايو" . لازمه الشيخ حسن أثناء دراسته في حلقاته ملازمة الظل لصاحبه واستفاد منه الكثير من علمه. وقد امتدّت العلاقة بينهما حتى  ما بعد الدراسة، حيث كان الشيخ حسن دائم الصلة والتعهد بشيخه، ومن مظاهر هذه الصلة أن الشيخ حسن هلولى جلب معه ذات حجة كهديّة إلى شيخه محمد أيلايو كتبا ثمينة ونادرة لا تتوفر في الصومال في ذلك الوقت مثل كتب الأمهات الست في الحديث وكتب فقهية نادرة و أخرى من السيرة النبوية وذلك وفاء لتوصيات والدته، وتكريما وعرفانا من شخصه لجهد شيخه. ومن أجل هذا الوفاء والصلة دعا له الشيخ محمد أيلايو بالعلم النافع والبركة في العمر في هذا الموقف وفى مواقف أخرى كثيرة.{5} وهي الدعوات التي يؤمن الشيخ حسن وأهاليه بأنها سبب تلك البركة في علمه والتي عمّت الأسرة وحتى من بعده ذرّيّته.
ب: الشيخ عبد الواحد بن السيد محمد قوليد : هو مولانا أبو الحسن السيد عبد الواحد بن السيد محمد جوليد العارف المحقق مجدد الشريعة المحمديّة وناشر الطريقة الأحمديّة في القطر الصومالي، قطب من أقطاب الصالحية وأشهر قادتها على الإطلاق على امتداد تاريخ الطريقة في الصومال.
 كان مولده في قرية "كلن مومن" في أرض كرنل سنة ألف ومائتين وثلاث وتسعين من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، واسم أمه: حمر بنت بريس تزوجها والده إياها بعد أن استحسن عفتها وصلاحها وتدينها{6} . ثم ترعرع سيدى عبد الواحد رحمه الله تعالى في هذه القرية ونشأ بأحسن طبيعة وأجود سيرة، وكانت سيما العزة والمعرفة ترتسم على قسماته. ألحقه والده بالخلوة " الدكسى" كعادة الصوماليين مع صغارهم، فحفظ القرآن بالتجويد والترتيل في فترة وجيزة ، ولما تم له حفظ القرآن حق لهمته أن تصبو إلى تحصيل العلوم الفقهية، فتتلمذ على عدد من مشايخ عصره إلى أن تم له ما أراد، وأتقن العلوم الشرعية بفنونها المختلفة، بحيث سلم له علماء عصره بالإفتاء في المسائل الدينية وخضعوا له، ودانت له الملوك وهابت طلعته، إذكانوا يأتون إليه للاختبار فيسألونه عن أكثر المسائل الفقهية وغيرها تعقيدا وتشابكاً، فيجيبهم بالجواب الشافي حتى أحجموا عن مناظرته ومجادلته.كما عرف رحمه الله بحسن الخلق ولين الجانب والعطف على الضعفاء والمحتاجين، يساعدهم ويتكفل الأيتام ويحنو عليهم، ويعين الفقراء والأرامل والمساكين. وكان يكثر الصدقة على فقراء مكة المكرمة والمدينة المنورة في أيام حجه وزيارته. بل كان يعمم الهدية على أهل الحجاز قدر طاقته. توفى سيدي عبد الواحد عن عمر يناهز 76 في عام 1369هــــ. فى ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر رمضان المبارك في قرية مصر الصالحيّة في شبيلي الوسطى{7}.
ويذكر في هذا السياق أن السيد عبد الواحد هو أول من نال إجازة الطريقة الصالحية من السيد محمد صالح الرشيدي الدويحى في مكة المكرمة وأول من أدخل حضرة التمايل للصالحية إلى الصومال، ولهذه القصة تفاصيل مهمة سنوردها عند الحديث عن الطريقة الصالحيّة ومؤسسيها وظروف تأسيسها وحالات تطورها في الصومال بيد أن ما يهمنا هنا هو أن الشيخ السيد عبد الواحد أثّر في الشيخ حسن هلولى في جوانب كثيرة في العلوم الشرعية وألهمه التصوف. وكان يصطحبه معه في زياراته المتكررة إلى المشاعر المقدسة بغرض أداء شعيرتي الحج والعمرة، أو بغرض الاتصال مباشرة برجالات العلم في الحرمين الشريفين كالشيخ إبراهيم الرشيد الثاني.
ج. الشيخ : أد.محمود المشهور بشيخ آدم عوليهن ( نسبة إلى قبيلته(، عالم دين مرموق، اشتهر بتدريس التفسير في جنوب الصومال ، وكان يطلق عليه شيخ التفسير في الجنوب، كان مفسرا بارعا يتميز بالبلاغة وقوة الإقناع والتأثير في شرح النصوص القرآنية وتطبيقها على الواقع، بحيث أن البعض كان يلقبه بأخصائي تفسيرالقرآن الكريم؛ فقد علّم أجيالا من المفسرين قبل أن يظهر المفسرون الجدد في الساحة كالشيخ محمد معلم وغيره.
د. الشيخ الحاج على سيذو مومن :  الذى ينحدر من قبيلة بغذى نسبا. جهبذ من الجهابذة وعلم من الأعلام في جنوب الصومال عامة وفى منطقة أوطيقلى "ِ "Aawdheegle  خاصة بل هو علم على رأسه نار كما يقال عرف بالحكمة والعلم والذكاء ، بحر في العلوم الشرعية واللغة العربية، وهو الذي تحدى علماء مكة في مسائل اختلف حولها وصارت الغلبة له، وقال قو لته المشهورة للشيخ إبراهيم الرشيد في مكة المكرمة  " أنت شيخي في الطريقة وأنا شيخك في الشريعة ". عاش فترة من حياته  في بلدة مبارك التابعة لمنطقة أوطيغلى "Aawdheegle ثم انتقل إلى  قرية  كوريب Kooreeb""  بين بلعد وحوادلى  من محافظة شبيلي الوسطى ليتولى هنالك قيادة جماعة من أتباع الصالحية، استخلف عليها بعده ابنه الشيخ صالح الحاج على سيدو. وكثيرا ما كان يفتى للصالحية  في بلدة مصر الواقعة في أرض شيدلى بين بلدتي جوهر وبلعد ويعمل على تقريب أئمة الصالحية وقادتها في القطر الصومالي وفى العالم الإسلامي خصوصا أرض الحرمين. توفى الحاج على سيدو في المدينة المنورة   إثر مرض لم يمهله طويلا، وترك من بعده ذرية من أولاد صلبه وأحفاده، يتوزعون في الداخل الصومالي والمهجر، لا سيما في مقديشو ولندن. يعد الشيخ الحاج على سيذو مومن من أكبر المؤثرين في حياة الشيخ حسن هلولى من جوانب عديدة فكان بالنسبة له شيخا وصديقا مقربا ومربيا،  بل وموجّها له في مواقف كثيرة ، وهو الذى أرشده للتصوف عموما وإلى الطريقة الصالحية خصوصا .
ثالثاً: دراسة الشيخ حسن خارج الصومال: وكان الشيخ حسن حسين هلولى  كثير السفر إلى بيت الله الحرام حاجاً ومعتمراً وطالبا للعلم والمعرفة عند مشايخ الحرمين الشريفين، ولاسيما علماء الصالحية في مكة المكرمة، حيث التقى فيها السيد إبراهيم الرشيد الثاني وارث سر سيد ى محمد صالح السوداني من بيت الأشراف ومؤسس الطريقة الصالحية، أخذ عنه إجازة الطريقة مرات عديدة.
وكان الشيخ حسن يجيد اللغة العربية، وقد كان  أبلغ الأثر في ذلك إلى جانب أنه تعلم في الحلقات مخالطته كذلك العلماء في مكة و في الصومال ممن يتحدثون العربية كلغة أم كشيخه السيد: الحاج علوى اليمنى رحمه الله رحمة واسعة وصديقه الحاج: أحمدي اليمنى . فكانت العربية بالنسبة له لغة العلم  والمكاتبات العادية والرسائل {8}ٍ
وبهذا يمكن أن نجمل دراسة الشيخ  ومسيرته التعليمية في النقاط التالية:
النقطة الأولى : تعلم الشيخ من علماء منطقته لاسيما أعلام مناطق أوطيغلى "  "Aw dheegle وأفجوى" Afggooye  " لأن في هذه المناطق حلقات ومدراس علمية ذائعة الصيب في كل أنحاء الصومال كان يؤمها الطلاب من كافة المناطق.
 النقطة الثانية: لم يمرّ الشيخ بالتعليم النظامي الحديث نسبة للاعتقاد الذي شاع لدى علماء الصالحيّة من عدم مناسبة هذا النوع من التعليم الذي ينتهي بالمرء إلى أن يصير كاتباً مهينا لدى حكومة الاستعمار مع مقام المشيخة في علوم الشريعة والدين، وذلك نتيجة تزامن عصر لشيخ مع الاستعمار الإيطالي الذي كان قائما على أمر التعليم النظامي.
النقطة الثالثة: المناطق الخارجة عن محيط منطقته التي رحل إليها الشيخ طلبا للعلم هى مقديشوا ومقر الصالحية القوليدية في مصر الواقعة في شبيلي الوسطى ، كما تعلم من مشايخ الصالحية في مكة المكرمة كالإمام السيد إبراهيم الرشيد الثاني خارج الصومال.
النقطة الرابعة: كان له علاقات واسعة مع علماء الصومال في كل المدن الكبيرة سواء الواقعة على ساحل البحر الأحمر  أو المحيط الهندي أو في المناطق الداخلية، والتي كانت مراكز لنشر تعاليم  الدين الإسلامي الحنيف واللغة العربية منذ دخول الإسلام  إلى منطقة القرن الأفريقي كزيلع وهرر ومقديشو ، ومركة ، وبراوة ، وبارطيرى .
النقطة الخامسة : أتقن الشيخ حسن هلولي العلوم الشرعيّة بفنونها المختلفة في فترة وجيزة مقارنة بأقرانه الذين استغرقوا فترات طويلة في تعلم الفقه أو اللغة، فكان يقول"  إنه واظب الحلقات  فقط إلى حد الرابع والعشرين من عمره، ثم تفرغ عاملا في مجال الدعوة وشيخا للتلاميذ  في المناطق التي أقام فيها ، ولكنه لم يهجر الاطلاع الحرّ طوال حياته، وذاك سر تميزه، بأن كان يجتلب الكتاب من مختلف الأقطار في أرجاء المعمورة  ثم يشبعه اطلاعا.
أهم المراجع :
1. السيد .طه محمد حسن  . ناشط في الطريقة الصالحية في الصومال
2.لم يوفق الباحث معرفة اسم المسجد
3. الاستاذ. عبد الواحد شيخ حسن نجل الشيخ سياسي ومتخصص في الدراسات الشرعية والقانونية
4.روح البيان في تفسير القرآن . كتاب من كتب التفسير، ألفه أبو الفداء إسماعيل حقي بن  الشيخ مصطفى الإستانبولي الآيدوسي الحنفي الجلوتي.
5.الحاج علواليمنى احد وجهاء وحكماء الجالية اليمنية في الصومال عالم دين فاضل أقام في مدينة أفجوى تاجرا فيها وداعيا بل ومصلحا بين الناس الى أن توفى في مطلع التسعينات في القرن الماضي .
5. محمد نور شيخ عمر . قصاص اجتماعي ومهتم بالفلكلور الشعبي .
6.  ابراهيم بن السيد محمد قوليد . كتاب الدرة البهية في مناقب مشايخ الطرائق الصالحية الرشيدية الاحمدية ص 202 -203 .
7.  كتاب الفرائد الجوهرية في الطريقة الرشيدية . جمعه فارح حاج مودى محمود القوليدى .ص 17-19

8.  المصدر: نجل الشيخ الاستاذ عبد الواحد شيخ حسن سياسي ومتخصص في الدراسات الشرعية والقانونية.

الأحد، 8 يناير 2017

سيــــــرة العلّامـة الشيخ حسن حسين هلول "الفذ في علمه والفريد في فهمه " الحلقة "4" ولادته ونشأته:

الحلقة "4" ولادته ونشأته:
بقلم : أدم شيخ حسن.
ا. ولادته: ولد الشيخ  حسن حسين هلولى في عام1913 م – وعلى الأرجح – في قرية صغيرة تسمى "مارسيب " Maarsiib"تتبع محلّيّة "أفجوى" Afgooy" " من محافظة شبيلي السفلى."1"
بمحاذاة بلدية فرسولي الواقعة شمال مدينة قريولي. حيث انتقل إليها والده – كما أسلفنا الذكر – في إحدى هجراته في المنطقة بعد أن أقام فترات متباعدة في كل من قريتي وانبتى"Waanbate" و "  بولوفلاى " Buulo fulaay  ". والأولى  قرية صغيرة تابعة لمحافظة ونلوين Wenle weyn، أيضاً، وقد صار الشيخ قاضيا فيها في فترة من الفترات.
وقرية ماريسيب ""Maarsiib يقطنها حاليًّا كل من قبيلتي " جرى " و " جالجعل " . ولوقوعها على الخط الفاصل بين محافظتي ونلوين وأفجوى اختلفت تبعيتها بين هاتين المحافظتين عند الإدارات الحكوميّة التي مرت بالمنطقة، ولكنّ الذي استقرّ في أذهان السكّان أنّ قريتهم تابعة لإدارة محافظة أفجوى.
ويقترن اسم قرية "مارسيب " بأسماء شعرائها وعلمائها الكبار الذين عرفت بهم، وكثيرا ما ورد اسمها في الشعر المحلى باللغة الصومالية بشقّيه "جبى وجيرارgabey " geeraar ""
ومن حيث النشاط البشري يعتمد أهل قرية مارسيب اقتصاديا على الرعي في الغالب الأعم ، إلى جانب  الزراعة التي تعتمد هي الأخرى  على الأمطار الموسمية .
كان العلاّمة الشيخ حسن حسين هلولى ثمرة زواج ميمون؛ فوالده تزوج السيدة حبيبة معلم طايو والدة الشيخ في منطقة – أيلووانبتى " "Eeloow Wanbate " حيث كان يقطنها آل الكالويشيين، وهم إحدى أفخاذ فرع قرانيو من قبيلة جرى"Qoraanyoow garre" بعد أن أعجب بعراقة أسرتها في العلم والأخلاق، إذ كان والدها حافظا للقرآن الكريم مسخراً كل وقته وجهده لتعليم الناس له. كما أعجبت الأسرة بعلم وخلق الشيخ، وزاد من إعجابهم به أنّه من سلالة ذات شرف ومكانة، عريقة في العلم الشرعي، لذلك سرعان ما قوبلت خطبته لكريمتهم بالترحيب والموافقة، وقد أنجبت له عددا من الأبناء والبنات من بينهم حسن حسين المترجم له، غير أن والده قد توفى وهو لم يتجاوز التاسعة من عمره ، فصار يتيما، وهو في أمس الحاجة إلي  رعاية والده"2".
ب . ِ نشأته: نشأ وترعرع الشيخ حسن هلولي – رحمه الله – في صغره بهذه المنطقة المذكورة وفي جو هادئ ، وتولت أمر رعايته والدته التي قامت بتربيته خير قيام، وسدّت فراغ غياب والده بحيث لم يغيّر ذلك من نشأة الطفل اليتيم في شيء، فتربى كما يتربى غيره من الأطفال في المنطقة، وعوضه الله من يتمه كفالة والدته التي فاقت كل التصورات فيما أبدت من جهد ومثابرة في تربية أبنائها. و يمكن القول: أن فضل نِشأته وتربيته يعود أولا وأخيرا إلى والدته السيدة الفاضلة حبيبة معلم طايو، فهي التي تعهّدته بالتربية والتعليم، بعثته إلى الخلوة " الدكسى "3"  وهو صغير  ليتعلم القرآن الكريم، ترش عليه الماء في الفجر كي توقظه للصلاة وتشحذ همّته لحضور حلقات التلاوة، وهى التي بعثته مرّة أخرى بعد أن حفظ القرآن الكريم إلى المشائخ في أماكن بعيدة لطلب العلم موفرة له كل احتياجاته المادّية والمعنوية رغم الظروف القاسية للعائلة في الجانب المادي، من جهة أنهم لم يرثوا حظا مذكورا ولا نصيبا مقدّرا من والدهم، واستطاعت بعزمها وإخلاصها وتوكّلها على الله أن تدير بكل جدارة أمور أولادها وتعليمهم كما يتعلم غيرهم أو أفضل، وكثيرا ما كانت تقول له: إن التركة الحقيقة التي ترثها من والدك هي الدين والعلم فتمسك بهما واعضض عليهما بالنواجد. "4"
 ومن المواقف  الرائعة المروية في سياق جهد هذه السيدة المثابرة  في تربية ابنها أن أعطت  ناقتها الحلوب الأثيرة لديها لخاله الحاج على معلم طايو الذى كان ينوى السفر لأداء فريضة الحج وكان ينقصه بعض المال، فأعطته هذه الناقة ليبيعها ويستكمل بثمنها نقص المال اللازم لديه لسفره، حرصاً منها على أن يدعو لابنها بالخير والصلاح في تلك المشاعر المقدسة، كما طلبت منه ذلك، واستجاب هو الآخر له؛ حيث دعا لابن اخته وهو في الحرم أن يسهل الله عليه تعلم العلم النافع، وكانت دعوة مستجابة ظهر أثرها على الولد فيما بعد"5"
وثمة مواقف تربوية رائعة تحسب للسيدة الفاضلة، منها أن كانت مزرعتهم – أى مزرعة أسرة الشيخ حسن هلولى مجاورة لمزرعة معلمه للقرآن" محمد وليس " 6 "فكانت تقول له:  "لا تمرّ على مزرعة معلّمك وهو يحرث إلا وتحرث معه، لأنه بمثابة والدك وتركه في العمل لوحده عقوق ". وقد استقرّ هذا الموقف التربوي في نفس الشيخ حسن، الذي ظلّ يلتزم بذلك حتى بعدما كبر، فقد صادف أن حرث ذات مرّة مزعة معلمه "محمد المشهور بوليس " دون درايته في أحد الفصول الماطرة، لأن المعلم كان مسافرا خارج منطقة سكنه وهطلت الأمطار في غيابه، فلما وصل وجد مزرعته قد تم حرثها"7" وبذر البذور فيها، بل وأنبتت نباتا حسنا، فخامره  الشك بأن  شخصا ما سطا على مزعته وأستزرعها لدوافع شرّيرة، فإذا تلميذه البارّ حسن بن الشيخ حسين هلولى يبشره بأنه الفاعل لذلك التماساً للخير والبركة ممن علّمه القرآن الكريم. ولما علم المعلم ذلك قال: إن هذا السلوك لن يكون أبدا إلا من عمل ابن بار مثل حسن هلولى.
ويحكى عنه كذلك أن معلمه للقرآن  كان في حاجة، وقد عم القحط والجفاف المنطقة، وحاول أن يستلف طعاماً من عدة أشخاص، إلا أنهم لم يمكنهم تلبية طلبه، فوصل الخبر للشيخ حسن، فما كان منه إلاّ أن أرسل إلى معلمه – على جناح السرعة – ناقة محمّلة بكمّية كبيرة من المؤن الغذائية والملابس، ففرج عن المعلم بذلك، والذي دعا له بالصلاح والتقوى والعلم والنور . "8"
                ثمة قصة أخرى مهمة تظهر حزم والدة الشيخ حسن، وتتضمن تربية ابنها على المنافسة حيث ينافس الجميع ولا يرضى بالعجز والقصور ليتمه، أو لفقره.  فوالدته الفاضلة السيدة حبيبة معلم  " ضحت لتربيته كثيرا فربته أحسن تربية، ولم يشعر باليتم قطّ، فحينما بعثته لطلب العلم الشرعي في المدن والمراكز العلمية كانت تدبر له ما يحتاج إليه من مال رغم ضيق اليد وفقدان العائل، وحتى المعين من الإخوة والأخوات. والقصّة هي أنّه في إحدى المرّات طلب شيخه محمد أيلايو "9" من الطلاب دعما يحجّ به فاستثناه لأنه يتيم غير قادر حتى على إنفاق نفسه، وفرض عليه خمس روبيات "10" فقط مراعاة لخاطره ، بينما فرض على كل واحد من زملائه الآخرين ثلاثين روبية. وعندما أخبر الشيخ حسن هلولى ذلك والدته فاجأته بأن دفعت إليه ثلاثين روبية  قائلة له " إنّك لا تذهب إلى الشيخ أقل مما يذهب إليه الآخرون ، وسلم المبلغ المطلوب كاملا لشيخه ،  في حين عجز كثير ممن ظن الشيخ أنهم ميسورون، وكان ذلك – بعد فضل الله – بقوّة إرادة والدته وإخلاصها. وقد دعا له الشيخ بالعلم النافع والبركة  في العمر، وهو ما تنعم به في حياته،  فسهل عليه بعد ذلك  كلّ أمره وفاق أقرانه من الطلاب أينما حلّ . ومن هنا يظهر بصورة  جلية كم كانت  والدته لبيقة ذات تدبير لطيف، وموجهة تربويّة ومجتهدة  لتؤكد لنا مرة أخرى حقيقة المقولة  المشهورة " أن وراء كل عظيم امرأة "
ويمكن أن نجمل نشأة الشيخ  حسن هلولى وتربيته في عدة نقاط :
النقطة الأولى : أنه فقد والده وهو صغير لم يتجاوز التاسعة من عمره ، وفي مرحلة الطفولة التي كان فيها في أمس الحاجة إلى رعاية ابوية توجهه وتذلل له الصعاب في الحياة اليومية وتعينه في التعليم والتربية.
النقطة الثانية : عوضه الله من فقد الوالد كفالة والدته التي بذلت النفيس والغالي في تربيته وتعليمه.
النقطة الثالثة : لم يحتج ولم يتلقّ هو ولا والدته أيّ مساعدة من الأعمام  ولا من الإخوة والأخوات.
النقطة الرابعة : نشأ في بيئة رعوية قاسية، عانى فيها كثيرا، كما تربى في كنف أسرة فقيرة ليس لها معيل سوى الأم التي ناضلت من أجل لقمة العيش وتربية الأولاد وتعليمهم.
المصادر والمراجع :
"1"بيانات جواز الشيخ . كان الشيخ من أوائل من أخذوا بطاقة الهوية في منطقة أوطيغلى لدى الإدارة الايطالية الحاكمة  في الصومال آنذاك .
"2" مقابلة مع نجل الشيخ  الأستاذ عبد الواحد حاج حسن : سياسي  ومتخصص في الدراسات الشرعية والقانونية .
"3" الدكسىي عبارة عن مرحلة دراسية خارجة عن الرقابة المباشرة للدولة في تنفيذ الخطة الاجمالية للتعليم، وفى الغالب يلحق الصبى بالمرحلة الابتدائية في الدراسة النظامية الحكومية أو الخاصة بعد تعلم القرآن وحفظه.
"4" نجل الشيخ"  الشيخ أحمد شيخ حسن "فقيه وداعية .
"5" محمد نور شيخ عمر مهتم وقصاص اجتماعي .
"6" معلم محمد المشهور بوليس هو من علم الشيخ القران الكريم من قبيلة "كرى نسبا فخذ دول بن توف.
"7"  طـبـيـعَـة الحقول الزراعية تتطلب تكرارُ حَرثِ الأرض لتنظيفها من الحشائش الأخرى، ولتكون صالحة لإلقاء البذور فيها.
"8" السيد : طه محمد حسن . ناشط في الطريقة الصالحية القوليدية.
"9" الشيخ محمد أيلايو عالم و فقيه بارع ينتسب إلى قبيلة أيلاي الرحوينيّة.  كان يدرّس في مسجد عيل يروا، وخرّج كثيراً من طلاّب العلم  في مجال الفقه،  اشتهر بعضهم  في مناطق مختلفة بعد وفاته.

"10"الروبية عملة هندية كانت مستخدمة في الصومال في فترة من الفترات كما استخدمت الليرة التركية في الصومال أثناء الحكم العثماني .

الجمعة، 16 ديسمبر 2016

سيــرة العلّامـة الشيخ حسن "حسين هلولى "

سيــــــرة العلّامـة الشيخ حسن حسين هلولى  "الفذ في علمه  والفريد في فهمه "

المقدمة : سأقدم لكم في هذه الدراسة المتواضعة سيرة أحد فطاحل العلماء  في الصومال بصورة مفصلة  وعلى شكل حلقات ، ولاشك أنه يستحق ذلك لطالما علّم علماء ومشايخ سطع نجمهم في القرن الأفريقي وصار بعضهم من الجهابذة الذين يشار اليهم بالبنان بفضل الله أولا ثم بفضله ثانيا ، يستحق ذلك لطالما مثّل لحاله  مدرسة فريدة في الفهم والفقه والدعوة والانفتاح والإصلاح والزهد . فقد جمع  الشيخ من المتناقضات ما جعله  فذا في علمه وفريدا في فهمه شمل كل الأوصاف  فهو العالم الفقيه  والمحدّث البارع والمفسر  الرائع  والمتصوف الحقيقي والأديب الأريب  والشاعر الماهر  والزاهد المخلص والداعي المصلح  والمفتي المنفتح والقاضي المحكم والمنقب عن أفكار الفرق والأديان ، اتصف بكل هذه الصفات العبقرية ولاشك  أنه سبق زمانه ورجاله وله من الآراء والاجتهادات ما كان يؤهله - لولا الصعوبات التي اعترت في طريقه – لأن يكون رجل دين ودولة من الطراز الأول وفى آن واحد .
الترجمة للعلماء ليست بالأمر اليسير لاسيما إذا هو جهبذ من الجهابذة كالعلّامة الشيخ حسن حسين هلولي - رحمه الله - الذى أينما بحثت في  سيرته وجدت أنك أمام سيل عارم من المعلومات النوعية كما وكيفا ، ولا تدرى أتبحثه في علمه  الغزير  المنقطع النظير ام في فهمه العميق للعلوم والمعرفة ام في انفتاحه في الدعوة والإفتاء  ام في حقيقته في التصوف  والسمو بالروح ام في زهده  وإصلاحه للمجتمع ام في تربيته للأجيال ام حتى في منهجيته للتدريس ، الا أنى سأحاول وعبر هذه الدراسة المتواضعة أن أكشف لكم عن هذه الشخصية التي وإن كتبت عنها  مجلدات  او كتب الا أنها ستظل   قليلة في حقها، لأنه و ببساطة أنّه – رحمه الله -  شخص ليس ككل الأشخاص ، فقد أمتاز بالإخلاص وحب العلم والعمل ....
وكان قريباً للناس وأحب الخير لهم جميعاً ، لذلك فلا يستغرب أن أحبه كل من رآه ، ولعل الله سبحانه وتعالى  وضع له القبول بين الناس،  فقد أنفذ  الشيخ حسن عمره مربيا وعاملا مجاهرا بالحق والحقيقة لا يخاف في الله لومة لائم .
إن منطقة القرن الأفريقي وما تزخر به من علماء  ومفكرين لم تحظى بنفس القدر  ان تدوّن تاريخهم وتراجمهم والمراكز الحضارية التي أسسوها  وإنتاجهم الفكري والتفافي  ولاسيما جنوب الصومال وهى البقعة الأقل حظا على الإطلاق في التدوين مع أنها هي الأولى في تقديري من حيث العلم والفكر والحضارة الاسلامية والأسباب تتعد منها ما يعزى الى أن المجتمع الصومالي شفهي وبالتالي لا يجيد التدوين ، ولكن الأهم هو أن  العلماء في الصومال تصدّروا في محاربة المستعمر الذى  طمس بدوره تاريخهم وأرسلها الى سلة المهملات بشكل سرمدي ، واختلق للأمة تاريخا لا تمت صلة  بمجدها وحضارتها .
ومن باب فلنكتب تاريخنا بأقلامنا بدأ ابناء منطقة القرن الأفريقي في الآونة الاخيرة تدوين تاريخ العظماء في المنطقة ، وفى مقدمتهم بالطبع العلماء ، وما أتمناه أن تكون هذه الدراسة أيضا إضافة حقيقة لمثل هذه المساعي النبيلة التي من شأنها أن تثرى المكتبة الصومالية خاصة ومكتبات الناطقين بلغة الضاد عموما . وإني إذ أكتب عن العالم الرباني الشيخ حسن حسين هلولي فسأحاول جاهدا أن أتحرى بالدقة في سرد المعلومات وتوثيقها والتحلي بقدر كبير من الموضوعية في تناول الموضوعات بجانب الالتزام  بمنهجية علمية في الدراسة .
ومن المواضيع التي سأسلط الضوء عليها حياته ونشأته و مشايخه كما سنتطرق الى الطريقة الصالحية وكيف انضم إليها حتى صار قطبا فيها  مع التركيز بعلاقته مع بالأسر الصالحية ثم أثره في الطريقة عموما . كما سنتناول في هذه الدراسة نشاطه الدعوى  والعلمي  ، و دوره في اصلاح المجتمع  وكذا مواقفه من العادات والتقاليد المحلية بالإضافة  الى حلقاته وتلامذته  ومنهجيته في التدريس. كما سنتطرق وبشكل مفصل جهوده وآرائه في الأحوال الشخصية  ومساهمته الشعرية وسنختتم بذكر مدرسته الفكرية  و فهمه العميق لمصادر التشريع  ودرايته للمذاهب الإسلامية المختلفة وثم انفتاحه في الافتاء والدعوة ومواقفه في التيارات الإسلامية في العالم الإسلامي  وما كان يراه مناسبا للبيئة الصومالية من أفكار تلك التيارات .

والله من وراء القصد. 
أدم شيخ حسن حسين