الخميس، 4 فبراير 2021

 




                                               
                                                   Adam Sh Hassan Hussein


ثانيا: مكونات المجتمع المدني  :

كثيرا ما يختلف فى تحديد العناصر المكونة للمجتمع المدني في الصومال وهذا يعود بدوره إلى عدم وجود تعريف جامع ومانع للمجتمع المدني عموما ، إذ يكمن جزء من المشكلة في أن المجتمع المدني مفهوم ضبابي ومطاط على نحو لامناص منه ، بحيث إنه لايوفر بسهولة قدرا كبيرا من الدقة([1]) . فمصطلح المجتمع المدني إلى حدما شديد الغموض وضبابي وقابل لتفسيرات وتفسيرات مضادة تبعا لوجهة نظر الكاتب أوخلفيته الثقافية أو العلمية، ولعل ذلك يرجع بالدرجة الأولي إلى التباين الشديد ما يعد ومالايعد من ضمن المجتمع المدني وبين أهداف المجتمع المدني وغاياته  ([2]).  وعلى الرغم من صعوبة تحديد مؤسسات أو منظمات  بعينها بأنها من المجتمع المدني دون غيرها إلا أن المعايير المتفقة عليها عالميا فى طبيعة أعمال المجتمع المدني وما يستشف من التعاريف المختلفة للمجتمع المدني من ِشأنها أن تحدد العمل المدني ومؤسساته بكل سهولة ويسر .

المجتمع المدني هو : مفهوم واسع للغاية يستلزم العديد من التصنيفات المختلفة للمنظمات التي تحته. يصف - لاري دايموند - المجتمع المدني على أنه عالم من الحياة الإجتماعية المنظمة التي هي طوعية ، ذاتية التوليد ، ذاتية الدعم ، ومستقل عن الدولة ، وملتزم بنظام قانوني أو مجموعة من القواعد المشتركة.  ضمن هذا الإطار يقع العديد من المنظمات غير الحكومية (الدولية والإقليمية والوطنية) ، والمنظمات الدينية ، والمنظمات المجتمعية ، والمنظمات الشعبية الأخرى بما في ذلك التعاونيات ، وجمعيات الأحياء ، والنوادي الاجتماعية وغيرها ([3]) .  وقد ورد عن مركز المجتمع المدني في كلية لندن للاقتصاد بأن "المجتمع المدني يشير إلى حلبة العمل الجماعي الذي لا يتسم بالإكراه، والذي يدور حول مصالح وأهداف وقيم مشتركة ومتبادلة. ولذلك يضم المجتمع المدني عادة التنوع الشديد من حيث المساحة، واللاعبين، والأشكال المؤسسية، وتختلف في الدرجة الرسمية، والاستقلال الذاتي والنفوذ، كما يضم المجتمع المدني في أغلب الأحيان منظمات ومؤسسات مثل الجمعيات الخيرية المسجلة، ومنظمات التنمية غيرالحكومية، ومؤسسات المجتمع المحلي، والمنظمات  النسائية، والدينية، والاتحادات والنقابات المهنية والتجارية، وجماعات المساعدة الذاتية، التنمية الاجتماعية، الاتحادات التجارية، والتحالفات... الخ  . 

يستشف من كل ماسبق من تعريفات بان المجتمع المدني يشمل المنظمات غير الحكومية سوا كانت دولية أوإقليمية أو وطنية  ، إضافة إلي المنظمات الدينية ، والمنظمات المجتمعية ، والمنظمات الشعبية الأخرى بما في ذلك التعاونيات ، والنوادي الاجتماعية، ونقابات الأعمال . وبذلك تكون معظم منظمات المجتمع المدني العاملة في الصومال مطابقة لهذه المفاهيم والمعايير المذكورة من حيث الإستقلالية عن الدولة  والعمل بصورة حرة في المجال الطوعي ، مع وجود خصوصيات تنفرد بها البيئة المحلية الصومالية ومتطلبات واقعها .

إن الكثير من الدراسات التي تناولت عن المجتمع المدني ومؤسساته في الصومال مختلفة في تحديد هوية المجتمع المدني ، فهناك من يحصرها بالمنظمات الطوعية المحلية خاصة تلك التي لا صلة لها مع التيارات الإسلامية انطلاقا من مبدا ([4]) إبعاد العامل الديني عن المؤسسات المدنية الطوعية ، كما أن هناك من يعتبر كل المؤسسات الطوعية المحلية من صميم العمل المدني بغض النظر عن خلفياتها الإيديولوجية ، يخضعها فقط لمعيار ما تقوم به من عمل طوعي داخل المجتمع  وهذا ما يميل إليه الباحث  من منهجية أثناء تناوله بمنظمات المجتمع المدني في الصومال، لأن المنظمات الطوعية المدعومة من الدول الإسلامية أو تلك التي تتبع للتيارات الإسلامية لايمكن وصفها بمنظمات دينية لما لديها من مواقف إزاء مسائل حديثة  تصب فى صميم العمل الطوعي مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين ، كما أن لها دور في السياسة وأراء حول المستجدات السياسية في الساحة . ولذلك لم تعدهذه المنظمات تقليدية لاعلاقة لها بمتطلبات الواقع وفهم مفردات القضايا الدولية([5]).

 ثمة نقطة أخري ينبغي ذكرها في هذا الصدد وهى:  هل يعد القطاع التجاري والشركات الخاصة من المجتمع المدني  أم أنها تقع خارج إطار العمل الطوعى لما تسعي من ربحية فى أعمالها ؟  إن شمول القطاع التجاري تحت مظلة المجتمع المدني يتعرض لبعض الجدل على المستوى الدولي. هناك بعض الناس الذين يرغبون في قبول القطاع التجاري كجزء من المجتمع المدني، بينما هناك آخرون يعتقدون أن القطاع التجاري مرتبط بشكل وثيق جدا بالحكومة، خصوصا في بعض الدول. فقد قامت المنظمات غير الحكومية مثل التحذير الدولي بتطوير برامج خاصة بتعزيز دور الشركات في بناء السلام، بما في ذلك إرساء روابط وصلات أفضل بين الشركات التجارية والمجتمعات المحلية التي تأثرت بالصراعات  ([6]) . وعندما تمعن النظر في الحالة الصومالية ستجد أن القطاع الخاص والشركات التجارية قد ساهم ومازال يساهم في العمل الطوعي بشكل نسبي رغم أن الشركات التجارية  تسعى لهدف الربح .  وقد ضم الدكتور:  محمد أحمد شيخ علي القطاع التجاري  في رسالته([7])  "الصومال في مرحلة ما بعد تفكك الدولة : دور القبيلة والمجتمع المدني في الفترة 1991م، 1999م.  إلي العناصر  الثلاثة الأساسية للمجتمع المدني في الصومال  .

ومن نافلة القول نورد هنا كذلك أنه ما إذا يمكن إعتبار  الجماعات الإسلامية من عناصر المجتمع المدني . فالحقيقة أن في الصومال تيارات إسلامية تقدم خدمات طوعية للمجتمع بجانب بعض المنظمات المدنية التابعة لها  والتي لعبت أدوارا مقدرة فى مساندة الضعفاء خاصة في المجالات الإغاثية والتعليمية والمصالحة الوطنية ، بيد أن المنظمات غير الحكومية ذات التوجه الإسلامي يؤخذ عليها أنها  تقوم  أحيانا بدور الجسر بين المجتمع المدني والمؤسسة السياسية للأحزاب الإسلامية  وقد تستخدم  التيارات الإسلامية  هذه المنظمات كقوالب لإقامة روابط مع الفقراء ، من أجل تجنيد أتباع جدد أو توسيعها في بعض الحالات ، ([8]).  ولكن مع ذلك ظلت خدماتها فريدة لما تتوافق عادة من قيم مشتركة مع المجتمع الصومالي المسلم، عكس مؤسسات المجتمع المدني المدعومة من المؤسسات الغربية والتي عادة ما تصطدم مع ظروف البيئة المحلية التي تعتبر أفكارها مستوردة  من خارج منظومة القيم الإسلامية . ولقد دأبت الجماعات الإسلامية المعاصرة في الصومال  " الإعتصام ، الإصلاح ، التجمع الإسلامي ، حركة الوحدة في صومالاند " والجماعات التقليدية " الصوفيه بمكوناتها المختلفة " القادرية ، الأحمدية ، الصالحية " دأبت علي تقديم  خدمات طوعية للمجتمع وفي مجالات مختلفة ، والأكثر حضورا في العمل المدني هى الجماعات الصوفية لما لها من برامج تعاونية لمساعدة الفقراء وكفالة الإيتام و توزيع أراضى على المحرومين حتي يتسنى لهم إقامة سكن أو مزارع يحرثونها لجلب الرزق ، ولذلك عندما تدقق  العمل المدني  الطوعي لدي التيارات الإسلامية في الصومال ستجد أن التيار الصوفى أو الجماعات الصوفية تسبق نظيراتها من الجماعات الأخري لما لديها  من أوقاف وتعاونيات  كلها تخدم للطبقات الضعيفة والمهمشة للمجتمع  ([9]) .  وتأتى حركة الإصلاح  فى المرتبة الثانية  وتعد من الجماعات الإسلامية التي أبدعت في العمل  الطوعي والمدني  إذ كان هناك  عشرات المنظمات الطوعية التابعة لها أو لأفرادها، والتي  قد نشطت  في مجالات  التعليم والإغاثة والمصالحة خاصة فى التسعينات من القرن المنصرم ([10]) .

الأهم في هذا السياق أن المجتمع المدني النشط مهم لكل الشعوب وتتضاعف أهميته فى  المجتمعات المتأثرة بالصراعات كالصومال لأنه يسد الفجوات ويسخر الطاقات نحو البناء والتكامل ما من شأنه أن يساهم في بناء سلام حقيقي وشراكة صلبة فى مشروع بناء الدولة الصومالية والإنتقال إلى دولة المواطنة والقانون. وسنسلط الضوء في الحلقة القادمة على المنظمات الطوعية  بشقيها  المنظمات الإنسانية الدولية والمنظمات الطوعية المحلية مع التطرق إلى أدوارها في عملية صنع السلام.



[1] . جون أهرنبرغ ، المجتمع المدني التاريخ النقدي للفكرة ، ترجمة على حاكم صالح وحسين ناظم ( بيروت ، المنظمة العربية للترجمة 2008)، ص 440.

[2] .محمد أحمد علي مفتي : مفهوم المجتمع المدني والدولة المدنية : دراسة تحليلية نقدية ، مجلة البيان 1435 هـــــ.  ص 13.

[3] . ورقة علمية جمعها M J Kimani ومنشورة في معهد International Peace Support Training Centre، نيروبى. بعنوان :

 Role of the Civil Society in Peace Support: Operations in South Sudan and Somalia: The Component of Peacebuilding. P 9.  

 

[4] . هو مبدأ االدول الغربية  الديمقراطية التي تشترط غياب التأثير الديني في أعمال منظمات المجتمع المدني و تعتبر هذه الدول هى الداعم الرئيسي لقضايا المجتمع المدني عالميا .

[5] . محمد أحمد شيخ علي ، أكاديمي وباجث فى مجال الدراسات الأفريقية ومدير معهد القرن للسلام والتنمية . لقاء فى اوسلو 14 ديسمبر 2019م.

[6] . تقرير عن المجتمع المدني في صفحة Inclusive Security: Women Waging Peace.

الرابط  : https://www.international-alert.org/sites/default/files/library/TKCivilSocietyArabic.pdf

[7] . لمزيد من تفاصيل المجتمع المدني وأقسامه أنظر رسالة محمد أحمد شيخ على : الصومال في مرحلة ما بعد تفكك الدولة : دور القبيلة والمجتمع المدني في الفترة 1991م، 1999م. رسالة دكتواراه غير منشورة ، جامعة الخرطوم 2004م .

[8] . Valeria Saggiomo, Building the State from below. Networks of NGOs in Somalia. P. 4

https://www.researchgate.net/publication/274705049_Building_the_State_from_below_Networks_of_NGOs_in_Somalia

 

 

[9] . مقابلة مع محمد محمود جوري ، باحث وكاتب ومتخصص فى علم الإجتماع ، ووزير سابق في حكومة جلمدغ  2015 -2016، الصومال .  أوسلو ، النرويج  16 يوليوا 2019م

[10] . مشاهدات الباحث في أعمال الحركة بالعمل الطوعي في مقديشو.

الأحد، 31 يناير 2021

 

                                                     Adam Sh Hassan Husein  


المجتمع المدني في الصومال:  آدم شيخ حسن

توطئة:  يتمتع  المجتمع المدني بأهمية كبيرة في المجتمعات المتحضرة فيقدم من خلال المؤسسات غير الحكومية أو غير الربجية خدمات متنوعة من التعليم والتنمية وتقوية المجتمعات المحلية من التدريب وتطوير المهارات للأفراد والنهوض بدور المرأة وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان .. الخ .  وتتضاعف أهمية المجتمع المدني فى المجتمعات التي تضررت بالصراعات كالصومال ، ولذلك فان المجتمع المدني فى الصومال يحتاج إلي تسليط مزيد من الأضواء فى نشأته ومراحل تطوره ، والأدوار التي لعبها فى المصالحة الوطنية في الصومال ورأب الصدع بين فرقاء السياسية ومشروع بناء الدولة الصومالية ، مع استشراف ما يمكن أن يقدم في المستقبل من خدمات للمجتمع من شأنها أن تساعد الدولة في ترسيخ الحكم الرشيد ودعم سيادة القانون ودولة المواطنة .

نشأة المجتمع المدنى  ومراحل التطور  :

تعود نشأة المجتمع المدني الصومالي إلى إبان الفترة الإستعمارية حينما ظهرت جمعيات ثقافية ونقابات عمالية فى فترة مابين الحربين العالميتين . هذه الجمعيات والروابط  تطورت فى الأربعيتات والخمسينات إلى أول نواه للحركات الوطنية التي ناضلت من أجل الإستقلال . بل يمكن القول أن استقلال الصومال فى عام  1960م  كان ثمرة من ثمرات نضال المجتمع المدني (1)

ومع إنتهاء الربع الأول من القرن العشرين تشكل المجتمع المدني من منظمات متنوعة عمالية وثقافية ودينية وإجتماعية إضافة إلي المنظمات الطلابية التي إنضمت لاحقا إلي المؤسسات المدنية ذات الحضور المهم فى الساحة الصومالية  . وازداد التنوع في تلك المنظمات بزيادة إحتكاك الصوماليين بالعالم الخارجي ، حيث اكتسبو امن خلال هذا الإحتكاك  ومع مرور الوقت بعض الخبرات  في مهارات النتظيم المعاصرة ، وأخذت المنظمات الإجتماعية غير التقليدية في الإزدياد شئاّ فشئا .  تعتبر المنظمة الإسلامية الصومالية " Somali Islamic organization " أول منظمة مجتمع مدني معاصرة فى التاربخ الحديث للصومال . أسسها الحاج فارح أومار(1828- 1948م). وكانت المنظمة تنادى بحق الصوماليين في الحرية وحق تقرير المصير. لقد برزت كذلك في المحمية البريطانية شمال الصومال منظمات أخرى مهمة أهمها إتحاد الموظفين الصوماليين " Somali Official Union " والخيرية " Khayriyah"  وتأسست كلتاهما عام 1935م . كان برنامج إتحاد الموظفين الصوماليين يتركز علي تأمين حقوق العمال والموظفين الصوماليين في الإدارة البريطانية الإستعمارية، فى حين ظلت الخيرية منظمة إجتماعية تعمل في المجال الإقتصادى والتعليمى ، ولها مكاتب فرعية فى معظم مدن الصومال البريطانى . وتطور أعضائها لاحقا إلي سياسيين بارزين حيث صاروا من أبرز قادة الكفاح السلمي من أجل الإستقلال .

أما جنوب الصومال " الصومال الإيطالي " كان نادى الشباب الصومالي"  Somali Youth Club" الذي تأسس قبل أن تخمد نيران الحرب العالمية الثانية عام 1943م في مدينة مقديشو  وعلي يد مجموعة مثقفة من  الشباب . كان أول منطمة إجتماعية أسست هناك ،ليتحول لاحقا إلى حزب سياسي تحت مسمي حزب وحدة الشباب الصومالي عام 1952م .

الجدير بالذكر في هذا الصدد أن تأسست في الصومال الإيطالي وفى  العاصمة الصومالية  تحديدا أول منظمة دينية ثقافية معاصرة  ومستقلة عرفت بإسم الرابطة الإسلامية الصومالية " Somali Islamic league" حيث بدأت فى الوهلة الأولي كردة فعل علي تزايد الأنشطة التنصيرية للأرساليات المسيحية بعد عودة إيطاليا إلى الصومال تحت مظلة الوصاية الدولية( 1950 – 1960 م ) ثم تطورت لتبني أفكار ذات صلة بشكل الحكم في الصومال ، وأضحت تنادى بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية ، إضافة إلى تقوية اللغة العربية فى مجالي التعليم والعمل .   أما من حيث المنظمات الطلابية الصومالية فيعد نادى الطلبة الصوماليين بالقاهرة عام 1952م من أقدم المؤسسات المدنية الطلابية حيث لايزال النادى  قائما حتي الأن يمارس نشاطه من تنظيم العمل الطلابي وإقامة المناشط الثقافية والعلمية ( 2)  بجانب عدد من المؤسسات الطلابية  والشبابية التي ظهرت لاحقا في الصومال ، وزوالت العمل المدني بشكل لافت  .

إزداد نشاط الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات في الفترة التي أعقبت الإستقلال ، وظلت السمة البارزة لهذه الفترة كثرة المنظمات وتعددها بيد أن أغلبها كان عديم الفاعلية، لا تظهر نشاطاتها إلا فى أيام الإنتخابات أو التظاهرات الإحتجاجية ضد الحكومة . أما فى مرحلة العهد العسكرى فقد حلت الحكومة كافة الأحزاب والجمعيات وأمّمت جميع الشركات التجارية الخاصة ومؤسسات القطاع الخاص معلنة  أنها مسؤولة عن تحقيق المصالح القومية والدفاع عنها مما يعنى أن تحل الحكومة محل المجتمع المدني ، ومن هنا فإنها قد شرعت فى تشكيل منظمات عمالية وشبابية ونسائية وبراعمية لتستقطب من خلالها تاتييد القوى الشعبية . ولم تكن هذه التنظيمات في أغلب الأحيان إلا عبارة عن لافتات صورية للحكومة و من خلالها تنفذ أجنداتها ومشاريعها ولاتمت بصلة بهموم المواطنين وتطلعاتهم نحو تقدم البلاد وإزدهارها .

لقد أسفرت هزيمة القوات الصومالية في حربها ضد إثيوبيا عامي 1977/1978م وفشل الحكومة في تحقيق شعارها الخاص بتوحيد الأراضى الصومالية عن لجوء مئات الألاف من اللاجئين الصوماليين والأورميين من مناطق الحرب إلى الصومال ليصبحوا عبئا علي الإقتصاد المتهالك . وظهرت  إثر ذلك معارضة مسلحة تسعي إلى الإطاحة بالحكومة ، الأمر الذى أدى إلي تراجع الحكومة عن تنفيذ كثير من إلتزاماتها تجاه المواطنين في المجالات الإقتصادية والإجتماعية . هذا التراجع النسبي أفسح المجال لظهور منظمات ومؤسسات خاصة كالمنظمات الطوعية التى تعمل وسط اللاجئين والمدارس والمستشفيات والشركات والمصانع الخاصة . وعلي الرغم من هذه البدايات لمؤسسات المحتمع المدني فإنه يمكن القول   بأن سقوط الحكومة المركزية عام 1991م وما تبعها من إنهيار المؤسسات العامة يعتبر السبب أو العامل الرئيس لميلاد أكبر شريحة من مؤسسات المجتمع المدني فى الصومال (3)

 

        

                                                                                                المزيد في الحلقة الثانية

 

 

 

        

                                                                         

المراجع :

1.    محمد أحمد شيخ على ، الصومال في مرحلة ما بعد تفكك الدولة : دور القبيلة والمجتمع المدني في الفترة 1991م-1999م. رسالة دكتواراه غير منشورة ، معهد الدراسات الأسيوية والأفريقية، جامعة الخرطوم . 2004م، ص 296.

2.     فاطمة الزهراء على الشيخ احمد :  السياسات الامريكية تجاه الصومال (القاهرة : دار الفكر العربى 2008 م ) ط الاولى. ص : 67- 68.

3.      محمد أحمد شيخ على ، الصومال في مرحلة ما بعد تفكك الدولة . مرجع سابق، ص 296-297.

الاثنين، 1 يوليو 2019

الصومال




                             الصومال: الحلقة الأضعف فى الصراع المتجدد في المنطقة                                    

                 تشهد منطقة القرن الأفريقي فى هذه الايأم سلسلة من الأحداث المهمة و التي لاشك أنها شتؤثر سلبا وإيجابا على جملة القضايا المصيرية لشعوب هذه المنطقة . فالصراع الخليجى الخليجى أو مابات يطلق حاليا بسياسة إستقطاب المحاور لاتفوتها شاردة ولاواردة إلا وتلقى بظلالها على التفاصيل المملة للمشهدالعام، الهدف منه التأثير وإستقطاب الولاءات ، كما أنها لاتتورع في إستخدام أساليب قاسية إذا اقتضى الأمر لحسم الموقف .

 وقد حدث فى إثيوبيا مع بداية حكم أبى أحمد فى منتصف العام الماضي سلسلة من التغييرات التي لا تقل أهمية عن تلك التى تجرى فى المنطقة برمتها منها حدوث تحول شبه ديمقراطي فى إثيوبيا وصعود عرق "اروما" لحكم أكبر وأهم دولة فى المنطقة ، وتسوية الصراع الأثيوبى الارترى المزمن والمرير عبر مصالحة ودية فتحت الباب علي مصراعيه لتقارب سياسي بين الدولتين لم يسبق له مثيل منذ ظهور دولة ارتريا فى خارطة دول القرن الأقريقى فى نهاية القرن المنصرم . هذا التقارب النوعي  بين الدولتين وخاصة فى المسائل ذات الصلة بالسياسات الخارجية حمّلت الدولة الصومالية " الحلقة الأضعف فى الصراعات الدائرة  في المنطقة " أن تنضم اليهما ليتشكل حلفا ثلاثيا لم يعجب جيبوتي ، وهي الأخرى التى لها نزاع حدودى مع دولة إرتريا لم يتم تسويته حتي اللحظة . إضافة الي الصراعات المحتملة فى المضايق وتمثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب الجزء الأهم في ذاك الصراع المحتمل . كل هذه العوامل المتشابكة والمعقدة تجعل المنظقة تسير فوق رمال متحركة .

 فالصومال لها عدوات تقليدية وتاريخية مع إثيوبيا وكينيا المتمثلة بأن الأول مازال يطالب أقاليمه المحتلة من قبل هاتين الدولتين و لا يعترف حدود المستعمر والمعتمد من قبل الاتحاد الأفريقي. وتتعامل كل من إثيوبيا وكينيا مع الصومال بسياسة إضعاف الخصم وجعله مشغولا في قضاياه الداخلية كي لا يتفرغ للمواجهة والتي حسب ما تبدوا حاليا بعيدة المنال لأسباب أولها أن دولة الصومال غير قادرة علي حماية سيادة بلدها  ولا تسيطر إلا جزء يسيرا من الوطن " العاصمة وحواليها "  بينما كينيا تتدخل فى جنوب الصومال ولو تحت ستار تفويض الإتحاد الأفريقي وإثيوبيا كذلك ولكن فى الجنوب الغربي والوسط لدعم فصائل معينة وأحيانا تتورط قواتها بمهام تقوض كيان الدولة ووجودها.

      واللافت للنطر في الأونة الأخيرة أ ن كينيا الجارة الجنوبية للصومال تصعد حملة محمومة ضد الصومال وفي أكثر من صعيد ،  ورغم أن الدافع الحقيقي هو الخلاف البحري الذي ستبت فيه المحكمة الدولية فى أحقيته لمن؟  لاحقا من هذ العام،  إلا أن الدبلوماسية الكينية تحاصر الموقف الصومالي من خلال الضغط علي ملفات عدة  كفتح علاقات مع الولايات الفدرالية والاتصال بجمهورية أرض الصومال وربما الاعتراف بها لحمل القيادة الصومالية بالقبول علي التنازل أوالتسوية خارج نطاق المحكمة الدولية.    

             وتشهد الصومال في ظل هذه التغيرات الدراماتيكية في المنطقة ضعفا في الرؤية الاستراتيجية وتخبطا لامثيل له في السياسة الخارجية بجانب أنها لا تملك المقومات الكافية للدفاع عنها في ظل حدوث أي مكروه لها ولسيادته، الأمر الذي يجعلها بأنها الحلقة الأضعف على الإطلاق في الصراعات الدائرة حاليا والمحتملة مستقبلا. 


                                                                         


السبت، 9 مارس 2019

الصراع السياسي في الصومال" 5" الديكتاتورية ومرحلة حكم نظام سياد بري


الديكتاتورية ومرحلة حكم نظام سياد برى :

ومع نهاية عام 1969م ، طفى للسطح و على نحو متزايد هزالة الديمقراطية البرلمانية في الصومال وأنها قد أصبحت لعبة  يتقتها السياسيون للعبث بإرادة الشعب و لا صلة لها بالتحديات اليومية التي تواجه المجتمع ، وقد تجلى ذلك بوضوح فى إنتخابات عام 1967م ، حيث صارت التعددية الحزبية لاتطاق بجانب إنتشار الرشوة  وشراء الذمم والفساد الإنتخابى ، لتكون المحصلة فقدان ثقة الشعب بالحكومة المنتخبة وإعتبار الانتخابات ذاتها وجها من أوجه التفريط فى القضايا الجوهرية للأمة .

وتحديدا في الخامس عشر من أكتوبر عام 1969م ،إغتال فرد من قوات الشرطة الرئيس : عبد الرشيد على شرماركى، وبعد مضي ستة أيام فقط نظمت القوات المسلحة إنقلابا أبيض أى غير دموى. وقام القادة العسكريون بقيادة الجنرال سياد برى  بتنظيم المجلس الثورى الأعلى ، الذى تلقى فى البداية ترحيبا صاخبا. إذ تم اعتبارهم كأبطال تركوا الثكنات لإنقاذ الأمة. وكان للمجلس الثورى الأعلى  آنذاك الحرية فى التصرف بشكل حاسم وتسوية القضايا التى يناقشها البرلمان الغير فعال بشكل غير نهائى ، مثل إنتقاء الهجاء الرسمى للغة الصومالية كذلك التصرف بحزم فى برامج محو أمية البالغين واستيطان النازحين أو المتشردين بسبب الجفاف .  

وفى عام 1970 تبنى سياد برى "الاشتراكية العلمية" كأيدلوجية توجيهية مُرشدة لنظامه وقدّم سياسات لتجريم الهويات العشائرية أو القبلية. لكن هذه النشوة بدأت فى الزوال فى منتصف عام 1970م ، وبحلول هذا الوقت أصبح من الواضح عدم نية المجلس الثورى الأعلى فى استعادة الديمقراطية كما وعد ، بل كان أكثر تركيزا فى الحفاظ لنفسه على السلطة وإمتيازاتها ، بما فيها نشر الشرطة السرية فى كل مكان وزمان لتأديب كل من تراه غير محترم دون الرجوع إلى القانون . وكان أول ضحايا السلطة المتعسفة المستبدة  الجنرالان محمد عينانشي  وصلاد جابيري ، وإعدام أكبر صانعى الانقلاب فى عام 1971 م ، فى حادثة وصفت هى الأخرى أنها بداية جديدة لمرحلة فاصلة فى التاريخ الصومالى الحديث ، لما يحوم حول القضية من ملابسات حتى اليوم فى دستوريتها ومن قبلها صحة الإتهامات الموجهة إليهم  ، و أيا كانت الدوافع فلا يوجد دليل على فساد المجلس الأعلى الثورى أكثر من أفعال رئيسها  (سياد برى ) . حيث سمح برى بتحريف التبجيل الذى تقره الدولة وتعترف به لـ "الثورة" إلى طائفة من إطراء شخصى متملق ذليل لم يُسبق رؤية مثيله حتى الأن فى تاريخ البلاد. 

على الرغم من الحملة الرسمية ضد "القبلية" وتعزيز الاشتراكية العلمية وقضية الصومال الكبرى بمثابة أيدلوجيات موحدة ، بنى سياد برى سلطته على أساس التلاعب بالعشائر وتنفيذ أساليب تقليدية كلاسيكية بناء علي قاعدة فرق تسد ، لتكشف الحرب مع إثيوبيا (ما بين عامي 1977 و 1978) م عن نقاط ضعف سياد برى والسلطة الجوفاء.

وقد أصر الزعماء السياسيون فى مقديشيو قبل فترة طويلة من الاستقلال منذ عام 1960 إلى أوائل عام 1970،  كما اسلفنا الذكر على حق تقرير المصير للشعب الصومالى الذي يعيش فى منطقة  الصومال الغربى "أوغادين " فى إثيوبيا . وفى عام 1970 ، أرسل برى قواته ، معتقدا أن الإستيلاء على منطقة " أوغادين" كان فى متناول يده بسبب ضعف إثيوبيا بعد الثورة وتسليح الجيش الصومالى جيدا بفضل الدعم السخي من الاتحاد السوفيتى. وسرعان ما حقق الصوماليون تقدما كبيرا وهددوا المدن الرئيسة فى) هررHarar وديرا داوا( Diradhabe . قبل إعادة إمداد الجيش الإثيوبى من قوات الاتحاد السوفييتى ودعم القوات الكوبية ، وقيامهم بالهجوم المضاد ودفع القوات الصومالية مرة أخرى إلى الحدود.

     لقد أزالت الهزيمة في عموم القومية الصومالية كأيدلوجية شرعية لنظام سياد برى، كما أدت كارثة  النكسة فى أوغادين إلى البحث عن عشائر ككبش فداء ، وانفجار الانشقاقات العشائرية فى العراء. وقد أصبح استخدام النظام للتنافس والمحسوبية بين العشائر من ناحية ، والقمع من ناحية أخرى كوسيلة للحفاظ على السلطة  واضحا بشكل متزايد فى عام 1980م . فمع تآكل السلطة نما إعتماده على القوة التعسفية حتى مطلع الثمانينات، حيث اعتمد على اساليب الرعب والتلاعب بهويات العشيرة للبقاء في السلطة([1])

وايا كاتت الأحوال فقد اتسمت مرحلة الحكم العسكري فى الصومال  بجملة من التناقضات ، ولاتوجد بين الصوماليين مرحلة تاريخية مختلفة عليها من حيث التقييم  ومعاييره مثل تلك المرحلة ، فهناك من يمجدها بدرجة التطرف ، كما أن هناك من يعتبرها نقطة سوداء فى تاريخ الصومال الحديث وفيما بينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من النا س .

 ثمت مقولة تتكرر غالبا  فى الشفاهة والتدوين عند الحديث عن الشان الصومالى أنه لم يعرف على مدى تاريخه حياة سياسية في إطاردولة ذات مؤسسات رسمية، بل خضع لنظام التراث المتجدد من تاريخ إستقلالها وحتى الأن .  وكان تنظيم الدولة قائماعلي إجماع مجتمع  سادت فيه رؤية دولة قومية صومالية حديثة اكثر دوما وذات صلة بالاسلام.      

لذلك نجد من يجزم أن دولة الصومال قد وصلت ذروة عزها مباشرة عقب انقلاب عام 1969 م ، عندما نجحت حكومة سياد بري الثورية  في تعبئة المجتمع سعيا وراء الحداثة وتحقيق المثل العليا للفكر القومي.  كانت فكرة "صوماليا" في فتلك الفترة تتجاوز أفق العشيرة القصير وتطمح الي تجاوز الحدود التي تركها المستعمر ولم شمل الشعب الصومالي الذي قسمة المستعمر الى خمسة أجزاء تحت علم ودولة واحدة. كما ارتبط الفكر القومي الصومالي  بمحاولة اللحاق بقطار الحداثة لدى تطرق كتابة اللغة الصومالية بهدف تعجيل جهود محو الامية ([2]). لتمتد الى المكونات الأخرى من التحديث التي شملت  إقامة البني التحتية وتقديم الإغاثة لضحايا المجاعة المشهورة فى عام 1974م ، و بناء جيش صومالى قوى أعداده كبيرة ولديه عتاد رهيب وحديث لبلد نوعا مايصنف أنه  صغير مقارنة لجيرانه ، بدا الجيش  حينئذ وكانه أكبر من حجم بلده ، وكان  ذلك بلاشك مصدرا للفخر فى الوطن ومجدا للعسكر وفى مقدمتهم اللواء سياد ([3]) .

ولكن كما يعرف بطبيعة الأنظمة العسكرية فان ما تبنيه من أمجاد وعز تخسره  كذلك فى سبيل البحث عن مجد الذات ، وهو ما حدث لاحقا مع النظام العسكرى فى الصومال بقيادة اللواء سياد برى لتحشر الوطن كله فى كفة الزمرة الحاكمة والمقربة من الرئيس ، وصارت الوطنية  المعنى الأخر للديكتاتورية ليتزلف الكل نحو النظام ومدح قائده مما أهله  للولوج الى الفشل وفى أوسع  ابوبه ، فصادر الحريات الأساسية من  حق الأفراد فى  الإنتماء إلى نتظيمات أو أحزاب  سياسية وإيجاد إعلام حر وغيرها من القرارات التى جعلت المواطن يشعر وكأنه مغترب فى داخل بلده .

وقد تعمد النظام كذلك  فى الإخلال فى مبدأ تقاسم السلطة بين ممثلى المجتمع الصومالى وشرائحه كما حصر الثروة فى أيدى فئة معينة تكن له الولاء وعلى أساس فبلى صرف ، إضافة الى وأده للديمقراطية الوليدة فى البلاد ومبدأ الإنتقال السلمى للسلطة ، وصار القمع سيد الأحكام واهدرت الحريات الأساسية وهاجرت العقول النيرة الى الخارج وتحولت البلاد إلى ثكنة عسكرية تحكم بالمراسم وليس بالدستور .

 ولم يقف عند هذ الحد بل جرت همجيته أحيانا الى قتل مواطنيه لأتفه الأسباب بعد إجراء محاكمات هزلية  على محالفيه فى الرأى ، لتتحول البلاد الى جو من العنف يسود فيه المنطق القبلى وتصعف سلطة القانون وتنفجر الأحفاد القبلية ([4]) .  كل هذه الخطوات المجتمعة وغيرها أفقدت النظام شرعيته وعززت من مواقف معارضيه من الحبهات الصومالية رعم رداأتها فى الغلاف والمحتوى على حد سواء .





[1] .Terrence Lyons And Ahmed I.Samatar : State collapse , Multilateral Intervention, and Strategies for Political Reconstruction. (1995, Washington D.C. The Brookings Institution) PP. 14.15.
[2] .Alex De Waal: The real Politics of The Horn Of Africa , Money ,war And The Business Of Power  ( Uk . Polity Press 2016. P.110

[3] . ibid :P: 110
[4] . حسن محمود عبد الله : الجبهات الصومالية النشأة والتطور ،  ص 54.

السبت، 2 مارس 2019

الصراع السياسى فى الصومال (4) الفشل المبكر في تكوين دولة حديثة


 الفشل المبكر في تكوين دولة حديثة :
بعد نيل الاستقلال كان ينبغي التركيز على إقامة دولة صومالية  حديثة وبالمعايير المتعارفة عليها دوليا أساسها المواطنة واحترام القانون والتساوي في الحقوق والواجبات فبدلا من ذلك تم التوجه الى البحث عن الصومال الكبير واستعادة الأقاليم المفقودة. 
 وعوضا من ترتيب البيت الداخلي لجمهورية الصومال التي أعلنت استقلالها غرة يوليو عام 1960 م بتوحيد شطريها الشمالي والجنوبي ، ركز الصوماليون على البحث عن الصومال الكبير واستعادة أقاليمه المفقودة والتي ضمتها بريطانيا إلى الدول المجاورة وذلك تحت تأثيري العاطفة والحماس غير المضبوطين ،  وأثر ذلك سلبا في  مسيرة مشروع الدولة الصومالية المنشودة . إضافة إلى نقل الثقافة الرعوية  المبنية على العنف  والقبلية إلى قلب الدولة إذ اتسم  مشروع الدولة و في بداية مشواره  بالإقصائية  ولم يقدر أن يستوعب كل الصوماليين بأطيافهم المختلفة " المجتمعات الرعوية والزراعية والساحلية " كلها في قالب واحد عنوانه الوطن ، وقد تم تهميش قبائل كان لها  الدور الأبرز في صياغة الثقافة الصومالية وحضارتها بعد أن استبعدت من الساحة بقصد أو دون قصد  وكلاهما مذموم ، وبذلك قد استأثرت القبائل الرعوية مشروع الدولة  برمته ،  عندما اختزلته بــــــــعبارة" ناقة مانديق " لتشبّه الدولة ومفهومها بالناقة الحلوبة ، والتي يدر ضرعها لبنا للمستحلبين ، علما أن طيفا واسعا من الصوماليون لا يعتبرون النوق أو الإبل ثقافة لهم . مما زرع نوعا من الشرخ في النسيج الاجتماعي الصومالي و أثر سلبا على وجود الدلة كيانا ومفهوما . كانت المسئولية الملقاة على عاتق القيادة الجديدة إثر الاستقلال تبنى سياسة أو فلسفة تتمحور الانتقال من دولة بدائية أساسها القبيلة إلى دولة حديثة أساسها القانون ، ولكن القيادة اتجهت الى تحقيق وحدة الصومال الكبير  رضوخا للرغبات العارمة للشعب الصومالي أنداك ، و ذلك بلاشك خدم لمشروع البحث عن القومة  الصومالية  ومحاولة توحيدها تحت راية واحدة ودولة موحدة ولكنه أضر بنفس القدر عن إيجاد دولة لها مقومات تؤهلها إقامة كيان دولة مستقلة تقدم  الخدمات الأساسية لمواطنيها، و تتمتع بحسن علاقات مع جوارها والعالم .
وقد ينتقد البعض بان الصومال لم يعرف أصلا في تاريخ مسيرته نحو مشروع الدولة دولة القانون  وهى( الدولة التي تكون تحت سلطة القانون وليس فوقه ) .([1]) كما يعرفها الكاتب الألماني : جيركة . إلا أن طبيعة المجتمع الصومالي الذى يعلوا  فيه شأن القبيلة والعشيرة ، وثم الفخذ اثّرت بشكل فظيع مشروع  إيجاد دولة صومالية تخدم للمواطن الصومالي بالدرجة الأولى بشكل متساوي في الحقوق والواجبات .   تشهد الصومال حاليا وبعد مرور نصف قرن ونيف من الزمان من استقلاله  عجزا تاما في إدارة البلاد والعباد ، بسبب فشل الدولة المتمثل في عدم تمتعها بشرعية قوية في أنحاء الدولة ، فاقدة لمكونا ت العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين ، حيث بضرب الفساد والتمثيل السياسي الضعيف وإساءة استخدام القوة العسكرية مقومات المواطنة في مقتل ([2]) .
ففي هذه الجزئية نلقى الضوء على محور إشكالية تقاسم السلطة باعتبارها من أهم مسببات فشل مشروع الدولة ، كما نعرج قليلا على الانتهازية في النخب السياسية في العهد المدني:
أولا:  إشكالية تقاسم السلطة :

ا. بين الشمال والجنوب :

بعيد اتحاد شطري الشمال والجنوب  في عام 1960 م ، والتي مثلت  أمالا واسعة بإمكانية استعادة باقي الصومال الكبير ،  لم يتم مراعاة العديد من القضايا المصيرية والموروثة منذ العهد الاستعماري ، والتي بدورها قد أضحت إثر ذلك مصدرا رئيسيا لمشكلات عديدة بين الجانبين ، لاسيما أربعة قضايا محورية وهى : تقاسم السلطة وقضية اللغة الوطنية ، وتوحيد النظم الحكومية والإدارية واختيار العاصمة .  فالبنسة لتقاسم السلطة لم يتطرق اليها دستور عام 1960م،  وإنما تركها للتوافق العام  بين أقطاب النظام السياسي بين الشمال والجنوب في مسألة شغل المناصب العامة ، إضافة إلى عدم تسوية قضية اللغة الوطنية حيث بقيت اللغة الصومالية حتى ذلك الحين لغة غير مكتوبة ، لا تستخدم في المعاملات الرسمية .

الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الزعماء الصوماليين لم يهتموا بتوحيد النظم الحكومية والإدارية فيما بين الجنوب والشمال ، خصوصا تلك التي تتعلق بتوحيد النظام الضريبي والرسوم الجمركية وكذا النظم القانونية والتشريعية وتنسيق الهياكل الحكومية المحلية . أما بالنسبة لأ مر العاصمة فقد أقلق الشماليون  كثيرا من أن اختيار مقديشوا كعاصمة اتحادية سوف يتسبب في إهمال هرجيسا عاصمة الشمال ، وربما يفقد بريقها ولمعانها لاحقا .

لقد اتسمت عملية الوحدة منذ الوهلة الأولى باختلالات بارزة في عملية تقاسم السلطة والموارد فيما بين الشمال والجنوب مما أدى إلى إثارة احتجاجات محددة من قبل الشماليين فيما يتعلق بنصيبهم النسبي في هذه العملية خاصة فى مجالات عديدة :  أهمها ضعف مستوى تمثيل الشماليين في مؤسسات النظام الصومالي حيث حظى الجنوبيون عقب تشكيل الحكومة الأولى في عام 1960 م ، نصيب الأسد من المناصب السياسية بما فى ذلك رئاسة الدولة ورئاسة مجلس الوزراء  وحوالى ثلث المناصب الوزارية بالإضافة إلى أكبر منصبين قياديين فى القوات المسلحة والشرطة . ويضاف إلى الإختلات الحاصلة في تقاسم السلطة فيما بين الشمال والجنوب  فقدان معظم السياسيين والكوادر المتعلمة التي انتقلت إلى الجنوب للعمل في المؤسسات الحكومية ، وللمشاركة في النظام السياسي الذى كان متمركزا الى حد ما في العاصمة مقديشو ، مما أفضى الى حرمان الشمال من نسبة كبيرة من نخبته المتعلمة والذى أثر بدوره سلبا على فرص التنمية البشرية في الشمال . ومن المجالات التي اثار الشماليون الاحتجاج فيه ضعف حصة الشمال في الإنفاق الحكومي العام في الصومال حيث لم يكن الشمال يحظى بنسبة متوازنة من الإنفاق العام  ، وكانت سياسات التنمية الحكومية تتسبب في إعاقة اقتصاد المناطق الشمالية في البلاد([3]).

كل هذه الشكاوى وغيرها اثارت احتجاجا مبكر من الطرف الشمالي ، وانعكس ذلك في موقفهم برفض حزب الرابطة الوطنية الصومالية في الشمال لمشروع الدستور الصومالي عام 1961م . وعندما طرح هذا الدستور للاستفتاء في نفس العام ، فإن نتيجة الاستفتاء أظهرت رفض أغلبية المصوتين في الشمال لهذا الدستور  ([4]) وكان ذلك إشارة مبكرة من الناخب الشمالي في امتعاضه عن مسيرة الوحدة،  ولاسيما مسالة تقاسم السلطة والثروة  بين الشمال والجنوب ، أضف إلى ذلك الانقلاب الذى قام به ضباط من الشمال فى20 ديسمبر  عام 1962م  والتي كانت محاولة منهم لفك الارتباط من الجنوب والذى بدأ بمشروع الوحدة والدولة بالإقصاء  وممارسة التهميش على الأطراف ([5]) .

 ب . تغييب  مكونات رئيسية فى المجتمع عن  هيكل الدولة :

وعلى الرغم من أن الجنوب قد تم التعامل معه ككتلة موحدة  بعد توحد شطري الشمال والجنوب إلا أن القبائل التي أسندت إليها المناصب العليا كان لها نصيب الأسد في تعييين معظم المناصب الدستورية والتنفيذية ، وقد غابت مكونات مهمة في نسيج المجتمع الصومالي عن هياكل الدولة والحكومات التي تم تشكيلها إثر الاستقلال أو تم تغييبها عن عمد مما أدى إلى حرمان مناطق مهمة مثلت تنوعا اثنيا لو أتيحت لها ولكفاءاتها المشاركة في هياكل الدولة لساهم ذلك وبلاشك في بقاء الدولة وتماسكها .

 وبعدكل ما جرى من حرب أهلية وتجاذبات بين المناطق أو القبائل من أجل الحصول على حقوق متساوية أساسها المواطنة إلا أن هناك من يفكر حتى اللحظة بعقلية الاستئثار بالسلطة والمال والتمتع بامتيازات تكون لوحده دون غيره من المواطنين ، ليبقى السؤال إلى متى ستستمر انتهاج هذه السياسة الإقصائية ضد أجزاء أ وشرائح واسعة للمجتمع من قبل الحكومة  لأن ممارسة الحرمان على جزء من المجتمع أو قبائل أو شرائح بعينها،  لاشك أنه سيؤدى بوما ما إلى ثورة الجياع  وتلك هي السنن الكونية  التي كفلها القدر .

ج. انتهازية النخب السياسية في العهد المدني:

دأبت النخب السياسية في العهد المدني الانتهازية والتركيز على المصالح الشخصية ، ولما كانت المصلحة العامة تقتضى تقديم تضحيات لبناء مشروع الدولة والتحرر من التبعية الغربية ، ظل التركير يصب في تحقيق مكاسب شخصية عبر استثمار شركات وهمية عادة ما تتعاون  مع الأجانب  وبالأخص الإيطاليين والاستفادة من المنح والمساعدات الخارجية المقدمة للصومال .  تهربت الكثير من القيادة الصومالية ما بعد الاستقلال  تحمل مسؤولية الوطن وإلحاقه في ركب الأمم المتحضرة وتبنى رؤية ثاقبة تفضى الى مشرع دولة كاملة الأركان ، وسبب عدولهم وتهربهم من تحمل المسؤولية لا يرجع الى ظروف البلاد آنذاك كما دأبت القادة ان تبرر بذلك بقدر ما يرجع إلى القادة أنفسهم ومصالهم الشخصية التي يجعلونها فوق كل اعتبار ، مما جعلهم في سبيل تحقيقها يتعاونون مع الاستعمار الجديد ، الذى بدأ يستميلهم إلى جانبه منذ النصف الأخير من فترة الوصاية (1950- 1960) ويبعدهم عن أماني وآمال الشعب في ربط مصالهم السياسية والمادية بمصالحة الاقتصادية في البلاد ،الى ان كونوا لاحقا طبقة برجوازية ناشئة ذات مركز اقتصادي فى المجتمع تربط بينهم وبين رجال الأعمال الأجانب مصالح مشتركة في داخل البلاد وخارجها ([6]) .

لقد ارتبطت مصالح السياسيين الشخصية بالمصالح الاستعمارية وامتزجت إلى درجة الاندماج الكامل ، فالسياسيون ساهموا برأس مال الشعب الصومالي إلى الشركات الاستعمارية ، وتم استئجار منازلهم وفيلاتهم الفاخرة والتي عادة ما بنيت على مساعدات الصومال الخارجية وأرسل أولادهم إلى أوربا ليتعلمو على حساب هذه الشركات ليستلموا زمام الأمور في البلاد مستقبلا، وقد بدى ذلك جليا في اكثر من موقف ومنها على سبيل المثال ما أوضح وزير التجارة والصناعة في حكومة السيد : عبد الرزاق حاج حسين في خطاب القاه امام الجمعية الوطنية في الثامن عشر من مايو عام 1966م ، مشيرا في خطابه إلى بعض المسؤولين الكبار في الدولة الذين تقدم لهم الشركات الأجنبية أسهم الشرف والتي هي بطبيعة الحال مقابل رفض الحكومة مشروع القوانين المتعلقة بصوملة الوظائف والمناصب في المؤسسات والشركات الأجنبية في الصومال الذى وافق عليه البرلمان فى شهر مايوا عام 1966م.

واللافت للنظر ان القيادة العليا كانت دائما على صلة مع الشركات الأجنبية لتحقيق مصالحها اذ باتت الأولى تؤجر للثانية مباني السياسيين  وفيلاتهم وهى بمثابة رشوة تربطهم بالدوائر الأجنبية اقتصاديا وسياسيا بجانب ما تدر عليهم من أمول تدفعها لهم ممثلو الدول والهيئات  الأجنبة ([7])

فالقيادات المتعاقبة في العهد المدني قدمت بعض الإنجازات التي لا يمكن الاستهانة بها ، تأتى في مقدمتها نشر الديمقراطية والتداول السلمى للسلطة ، مع إجراء الانتخابات في حلول مواعيدها ، بجانب بناء مؤسسات مدنية خدمت في القطاع التنفيذي بشكل مقبول ، ولكن يؤخذ عليهم المحسوبية لدى تعيين الوظائف خاصة في الوزارات المهمة كالخارجية ونحوها ، إضافة إلى الفساد الانتخابي الذى شهدته الصومال في أخر انتخابات عامة أقيمت في الصومال فى عام 1967 م .

ومهما يكن من أمر فالحقبة المدنية كانت  أفضل من الحقبة العسكرية سواء كانت في الأداء أو في احترام حقوق الإنسان وثم حقوق المواطنين
آدم شيخ حسن : كاتب في الشأن السياسي



[1] . عبد الحميد محمد أحمد : أساليب السلطة والحكم في رئاسة الدولة الافريقية "1950_ 2000م" (الخرطوم : دار عزة للنشر والتوزيع 2012) ط الأولى . ص 24 .
[2] . منى عبد الفتاح : الصومال : مقالة أزمة مفهوم الدولة ، صحيفة العرب بتاريخ 12. 11. 2013 م .
[3] . وهذا قد يختلف علبه لأن البعض يعتقد أن الشمال نال حصة مقبولة من مشاريع التنمية المقدمة من قبل الحكومة المركزية.
[4] . أحمد إبراهيم ، مرجع سابق ، ص : 134. 135.
[5]  . Abdulahi Yusuf Ahmed: Halgan iyo Hagardaamo (Stockholm, Swedan Scansom Puplishers, 2012) PP. 27.31.
[6] . حسن محمود عبد الله : الجبهات الصومالية النشأة والتطور ( مصر : درا الأندلس الجديدة للنشر والتوزيع ،2013م ) ص 36.
[7] . المرجع نفسه ، ص : 36 ، ص 37.